قانون يادان : رسم حرية الرأي في زمن القلق

بقلم زكية لعروسي، باريس

في باريس، حيث تقاس الحرية بما يسمح له أن يقال، خرجت الكلمات إلى الشارع قبل أن تصل إلى قاعات الجمعية الوطنية الفرنسية. لم تكن المظاهرة مجرد تجمّع، بل كانت استعارة حيّة: أفكار تمشي على قدمين، وهواجس ترفع لافتات، وأسئلة تبحث عن مكان لها بين القانون والصوت.

في قلب هذا المشهد، يقف مشروع قانون تقوده كارولين يادان، كمرآة تعكس معضلة أقدم من الدولة الحديثة نفسها: أين تنتهي حرية التعبير، وأين يبدأ واجب الحماية؟ الحرية، في جوهرها، ليست فضاء مفتوحا بلا حدود، بل هي أشبه بسماء مرصعة بالنجوم، لكل نجم مداره. لكن ماذا يحدث حين تتقاطع المدارات؟ حين تصبح كلمة ما، في أذن رأيا مشروعا، وفي أذن أخرى، تهديدا وجوديا؟

هنا، لا يعود القانون مجرد نص، بل يتحول إلى مهندسٍ للمعنى. مشروع “يادان” لا يسعى فقط إلى تجريم أفعال، بل إلى إعادة تعريف اللغة ذاتها: متى تكون الكلمة وصفا، ومتى تصبح تحريضا؟ متى يكون النقد موقفا سياسيا، ومتى يتحول إلى ظل لكراهية أعمق؟ المعضلة ليست فرنسية فقط. إنها معضلة العصر. فمنذ انفجار العالم الرقمي، لم تعد الكلمات تمشي ببطء كما في السابق؛ بل تركض، تتكاثر، وتتحول أحيانا إلى كائنات مستقلة عن نوايا أصحابها. كلمة تُكتب في زاوية ما، قد تصبح شرارة في مكان آخر. فهل يحاسَب الصوت على صداه؟

الرئيس إيمانويل ماكرون حين يدعو إلى جعل مكافحة معاداة السامية “قضية كل فرنسي”، فهو يضع الحرية في مواجهة مسؤوليتها. لكن الحرية، حين تثقل بالمسؤولية أكثر مما تحتمل، قد تنحني حتى تكاد تلامس الصمت. وهنا تتجلى المفارقة: القانون الذي يُكتب لحماية الصوت، قد يتهم بخنقه. والنية التي تعلن محاربة الكراهية، قد تفسَّر كإعادة رسم لحدود التفكير. هل يمكن للقانون أن يفرّق بدقة بين معاداة السامية ككراهية دينية أو عرقية، وبين معاداة الصهيونية كموقف سياسي؟ أم أن الخط الفاصل بينهما، كخيط دخان، يتلاشى كلما حاولنا الإمساك به؟

التاريخ يقدم لنا إشارات، لا إجابات. من الثورة الفرنسية التي رفعت شعار حرية الرأي، إلى قوانين لاحقة وضعت قيودا على خطاب الكراهية، ظلّ السؤال نفسه يتكرر بأقنعة مختلفة: هل الحرية قيمة مطلقة، أم أنها كائن هشّ يحتاج إلى حراسة دائمة؟ في العمق، لا يتعلق الأمر بقانون واحد، بل بفلسفة مجتمع. مجتمع يخشى أن تتحول الكلمة إلى سلاح، لكنه يخشى أيضا أن يتحول الصمت إلى نظام. بين هذين الخوفين، يتأرجح التشريع، كبهلوان يمشي على حبل مشدود فوق هاوية المعنى. اللافت أن الجدل لا يدور فقط حول ما يقوله القانون، بل حول ما قد يُفهم منه. فالقوانين، مثل النصوص الأدبية، لا تقرأ فقط، بل تؤوَّل. وكل تأويل هو احتمال، وكل احتمال يفتح بابا لقلق جديد.

في هذا السياق، تصبح المظاهرة أكثر من احتجاج؛ تصبح اختبارا حيّا لقدرة الديمقراطية على استيعاب التناقض. هل تستطيع أن تسمح لمن يعارض القانون أن يعبّر عن رفضه، دون أن ترى في ذلك تهديدا؟ وهل يمكن للقانون أن يكون قويا بما يكفي ليحمي، ومرنا بما يكفي لئلا يخنق؟ ربما السؤال الأعمق ليس: أين تبدأ حرية الرأي وأين تنتهي؟بل: هل يمكن أصلا رسم هذه الحدود بخط واضح؟ أم أن الحرية، بطبيعتها، ترفض أن تختزل في معادلة، وتصرّ على أن تبقى سؤالا مفتوحا… سؤالا يمشي في شوارع باريس، ويجلس في قاعات البرلمان، ويهمس في ضمير كل من يحاول أن يوازن بين أن يقول… وأن لا يؤذي؟

📲 Partager sur WhatsApp

One thought on “قانون يادان : رسم حرية الرأي في زمن القلق

  1. في تدبير سياسات الحرية، وعبر التاريخ، وفي جميع الدول، كانت ترسم حدود ما ينبغي قوله وما لا ينبغي قوله، وما هو ممكن قوله. لأن الحقيقة، منذ البدء تحب التستر وتتكلم بلسان أفعى، فيما هي تنشد التحرير بحرية بحسبان.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *