بقلم زكية لعروسي, باريس
كانت الأرض يوما امرأة عملاقة تنام مطمئنة تحت عباءة الفصول. كانت الأنهار شرايينها الزرقاء، والغابات ضفائرها الخضراء، والبحار رئتيها اللتين تتنفسان بهما الحياة. وكان الإنسان طفلها المدلّل، يقتطف من خيراتها ما يكفيه ثم يعود شاكرا إلى ظلالها. لكن الطفل كبر، ونسي وجه أمّه. أصابه جوع غريب لا يشبه جوع المعدة، بل جوع الامتلاك. صار يريد أكثر مما يحتاج، ويصنع أكثر مما يستعمل، ويستهلك أكثر مما يستطيع الكوكب أن يحتمل. وهكذا تحولت الحضارة الحديثة إلى طاحونة هائلة تدور بلا توقف، تلتهم الموارد وتلفظ النفايات كما يلفظ البركان حممه.
في أقصى الشرق، تقف الصين كعملاق معدنيّ لا ينام. مدن من الإسمنت والزجاج، ومصانع تمتد كمتاهات لا نهاية لها، تنتج كل شيء تقريبا: من الألعاب الصغيرة إلى الأجهزة العملاقة، ومن الأكياس البلاستيكية إلى أغلفة السلع التي تجوب العالم. وعلى الضفة الأخرى، تنهض الهند كقارة نابضة بالحركة، حيث يتزايد الإنتاج والاستهلاك بوتيرة مذهلة، وتتشابك المصانع والطرق والأسواق في مشهد يبدو كأنه نهر لا يتوقف عن الجريان. غير أن الصين والهند ليستا سوى مرآتين تعكسان شهوة عالمية أكبر. فالعالم بأسره يطلب، والمصانع تستجيب. المستهلك في الغرب والشرق، في الشمال والجنوب، يمد يده كل يوم نحو سلعة جديدة، فتدور العجلات أكثر، وتتصاعد المداخن أعلى، وتتضاعف الجبال الخفية من البلاستيك التي لا يراها أحد إلا حين تصل إلى البحر.

وهناك تبدأ المأساة. البحر، ذلك الكائن الأزرق العجوز الذي احتضن الحياة منذ ملايين السنين، صار يحمل فوق ظهره أعباء البشر. لم تعد أمواجه تنثر اللؤلؤ وحده، بل تنثر أيضا الزجاجات والأكياس والشباك المهجورة. كأن وحشا شفّافا خرج من المصانع واستقر في الأعماق، يمد أذرعه البلاستيكية حول أعناق السلاحف والأسماك والطيور البحرية. تجري الأنهار نحو المحيطات وهي محمّلة بما يشبه رسائل العار البشرية. نهر يحمل بقايا عبوات، وآخر يحمل فتات أغلفة، وثالث يحمل جسيمات بلاستيكية دقيقة أصغر من أن تراها العين، لكنها أكبر من أن تتجاهلها الطبيعة. وحين تصل هذه المخلفات إلى البحر، لا تموت كما يموت الورق أو الخشب؛ بل تبقى، تتكاثر وتتفتت وتتحول إلى أشباح مجهرية تتسلل إلى أجساد الكائنات الحية. لقد خنقنا الطبيعة بحبل صنعناه بأيدينا. لم يكن حبلا من الحديد أو الحجارة، بل من الاستهلاك المفرط والإنتاج الأعمى. كل منتج لا نحتاجه عقدة جديدة في ذلك الحبل، وكل كيس بلاستيكي يرمى بلا تفكير التفافة أخرى حول عنق الأرض.

والمفارقة العجيبة أن الإنسان يتصرف كمن يقطع الأغصان التي يجلس فوقها. فهو يلوث البحر الذي يمنحه الغذاء، ويخنق الغابات التي تمنحه الأكسجين، ويفسد التربة التي تمنحه الخبز. كأن ساحرا فقد السيطرة على تعاويذه، فتحولت أدواته إلى مخلوقات هائلة تلاحقه في كل مكان. اليوم، لم تعد أمّنا الطبيعة تصرخ، بل تئن. نسمع أنينها في الأسماك النافقة على الشواطئ، وفي الجزر البلاستيكية العائمة وسط المحيطات، وفي مواسم الجفاف والفيضانات التي أصبحت أكثر قسوة واضطرابا. إنها لا تطلب المستحيل، ولا تعلن الحرب على أبنائها؛ إنها فقط تحاول أن تتنفس.
فهل سنتعلم يوما ما أن التقدم ليس عدد ما ننتج، بل هو قدرتنا على العيش دون تدمير ما يمنحنا الحياة؟ وهل ندرك أن الصين والهند، مهما بلغ حجم إنتاجهما، ليستا سوى جزء من قصة عالم بأسره أدمن الاستهلاك؟ لعل الخطر الحقيقي ليس في ملايين الأطنان من البلاستيك التي تخنق البحار، بل في العقلية التي ترى الكوكب مخزنا لا نهاية له. فحين نفهم أن الأرض ليست ملكية خاصة، بل إرثا مشتركا، سنبدأ أخيراً بفكّ الحبل عن عنق أمّنا الطبيعة، قبل أن ينقطع آخر نفسٍ في صدرها الأزرق.
📲 Partager sur WhatsApp