سهرة في فيلنيوس: حوار بين الروح والآلة

بقلم زكية لعروسي, باريس

المشهد: ملهى ليلي في فيلنيوس، ليتوانيا. الساعة الحادية عشرة مساء. المكان مجدد حديثا على نفقة الحكومة: أضواء ليزر خافتة، جدران عازلة للصوت، ونوافذ زجاجية كبيرة تطل على شارع مهجور. على المنصة، دي جي يعزف موسيقى إلكترونية حزينة. في الزاوية، يجلس توماس (32 عاما، مهندس برمجيات) على طاولة بيضاء، هاتفه مقلوب على وجهه كأنه ينظر إلى السماء. بجانبه، إيفا (29 عاما، طبيبة نفسية) تشرب كوكتيلا بلون السحب الماطرة. بينهما مسافة ذراع، لكن المحادثة الأولى لم تأت بعد. فجأة، يرن هاتف توماس… لكنه لا يجيب. ينظر إلى إيفا. تبتسم. يبتسم. هنا يبدأ الحوار.

– توماس (مازحا، يشير إلى هاتفه): هل تعلمين ماذا قال لي هاتفي للتو؟ قال: “لا تثق بها. هي لم تشاركك موقعها الجغرافي بعد.”

– إيفا (تضحك بهدوء):وهل صدقته؟

– توماس: طبعا لا. لقد أطفأت “الواي فاي” العاطفي منذ شهر. قررت العودة إلى المصادر القديمة. مثلا… العيون.

– إيفا (تحدق في عينيه): العيون يا توماس كانت أول ضحية للعولمة. في الماضي، كانت العين تتحدث  لغة كاملة: الخجل، الإعجاب، الرفض. أما اليوم، فأغلب الناس ينظرون إلى الشاشات حتى أثناء التقبيل.

– توماس: لهذا السبب أنا هنا. الحكومة الليتوانية جددت هذا الملهى” . قالوا إنهم يريدون “إحياء أماكن اللقاءات”. سخيفة، أليس كذلك؟ وكأن المشكلة في الجدران، لا في القلوب.

– إيفا: بالعكس، أجدها لفتة مؤثرة. لقد أصبحنا عاجزين لدرجة أن الدولة تدفع لتجديد حلبة رقص. تخيل أن تكون رومانسيا إلى هذا الحد… أن تعترف بأن شعبك فقد شهيته للقاءات الحقيقية.

– توماس: هذا ليس رومانسية، هذه وصفة طبية. في مقاله الخيالي الذي تخيلناه للتو، كتب أحدهم عن “جائحة العزلة” وعن “الإنسان الصفري”. قال إننا تزوجنا بهواتفنا، وأنجبنا أيقونات، ودفنا الغزل تحت وطأة الخوف من التحرش. هل تعتقدين أن هذا الملهى يمكنه أن يعيد إحياء “الغزل”؟

– إيفا: الغزل؟ يا عزيزي، كلمة “غزل” الآن تفتح تحقيقا. في عيادتي، يأتيني شباب يقولون: “أردت فقط أن أقول لزميلتي إن عينيها تشبهان القمر، فاتصلت بي الشرطة”. أصبحنا نعيش في “رهاب اللمس”. لدرجة أن الرجل يخاف أن يتنفس بجانب امرأة خوفا من أن يُفهم تنفسه على أنه “تحرش هوائي”.

– توماس (يضحك بمرارة): “تحرش هوائي”! هذه ستفوز بجائزة العبث اللغوي لهذا العام. لكن بجدية، ما العمل؟ أنا شاب في الثانية والثلاثين. لم أتزوج قط. كل علاقاتي بدأت وانتهت على تطبيق مواعدة. خمسة أيام من النقاش، لقاء واحد في مقهى بارد، ثم “أشعر أننا غير متوافقين”. وفي النهاية… أعود إلى هاتفي.

– إيفا: هل تعرف ما هو الفارق بيننا وبين أجدادنا؟ أجدادنا كانوا يلتقون في حفلات القرية، أو في الحقول، أو عند بئر الماء. كانوا يخافون من “الفضيحة” لا من “التحرش”. كان الخجل وقودا للعشق، أما اليوم فالخجل أصبح جريمة.

– توماس: لقد قرأت مرة مقولة لأحد الفلاسفة: “إنهم يريدون علاقات بلا مخاطرة، حبا بلا جراح، ونشوة بلا جنون”. هذا هو تطبيق المواعدة المثالي: تنتقي الشريك كما تنتقي فيلمك القادم على نتفليكس.

– إيفا (تتوقف عن الضحك): هل تعلم لماذا قبلت الجلوس معك؟ ليس لأنك وسيم (رغم أنك كذلك)، ولكن لأنك أول رجل منذ شهور ينظر إليّ دون أن يلتقط صورة لي دون علمي، أو يطلب مني متابعته على أنستغرام. أنت… قديم.

– توماس: شكرا… أعتقد. ولكن دعوني أخبرك سرا: أنا لست قديماً، أنا خائف فقط. في الماضي، كان الرجل يخاف من أن ترفضه الفتاة. أما اليوم، فالرجل يخاف من أن ترفعه الفتاة إلى المحكمة. هذا الرعب يجعلني أتمنى لو أنني ولدت في عصر لم يكن فيه الهاتف يحتوي على كاميرا.

– إيفا: ومع ذلك، أنت هنا، في ملهى حكومي، تحاول التودد إليّ. أليس هذا دليلا على أن الأمل لا يزال موجودا؟

توماس (ينظر إلى هاتفه ثم إليها): الأمل… قال لي هاتفي للتو إن كلمة “أمل” مستهلكة، وإن عليّ شراء نسخة مدفوعة من -تطبيق للمواعدة للحصول على “أمل حقيقي”. لكنني أغلقت الهاتف. هل تصدقين أنني لم ألمس هاتفي منذ 23 دقيقة؟

– إيفا: هذا رقم قياسي وطني. ربما تستحق وساما من الرئيس.

– توماس: لنحتفل به… بدون هواتف.

يمد يده ببطء. تمد يدها. لأولى مرة، يتلامس جلدان بشريان دون وسيط رقمي. في تلك اللحظة، على خشبة المسرح الصغير، تبدأ فرقة موسيقية بعزف أغنية قديمة: “حب بدون كلمات”. توماس وإيفا لا يسمعان الموسيقى. يسمعان فقط صوت أنفاسهما. الصوت الذي كاد أن ينسى. بعد منتصف الليل. الملهى يخلو تدريجيا. توماس وإيفا يقفان عند الباب. المطر يهطل بخفة على نوافذ السيارات.

– توماس: هل يمكنني… أن أطلب رقم هاتفك؟

– إيفا (تضحك): بالطبع. ولكن ليس اليوم.

– توماس (مندهشا): إذاً كيف سأجدك؟

إيفا: سأكون هنا، في هذا الملهى، بعد غد. الساعة الثامنة. بدون هاتف. فإن كنت تريد  رؤيتي، فتعال بدون هاتفك أيضا. لنجرب “التواصل التناظري”. مثل أجدادنا. أو مثل شخصين يريدان أن يعلما إن كان الحب لا يزال ممكنا خارج دائرة الاستهلاك -والخوف.

– توماس (يبتسم للمرة الأولى بصدق منذ سنوات): بدون هاتف… إذا كيف سأتأكد أنكِ لست وهما؟

– إيفا (تقترب خطوة، تهمس): لأن الأوهام تحتاج إلى شاشة. أما أنا… فأنا أحتاج إلى قلب.

تختفي إيفا في زقاق مظلم. توماس يظل واقفا تحت المطر. هاتفه يرن في جيبه. لا يرد. يرفع عينيه إلى السماء. السماء في فيلنيوس ليلتها كانت صافية بشكل غير عادي. وكأن الكون كله قرر أن يمنح البشر فرصة أخيرة.

وربما كان هذا هو الحل الوحيد: لا تجديد الديسكوهات وحدها، ولا القوانين الجديدة التي تعاقب وتحمي في آن واحد. الحل كان دائما أبسط: أن ينظر إنسان إلى آخر بصدق، دون خوف من كاميرا، ودون رغبة في استهلاكه. نحن  لسنا بحاجة إلى “عولمة الأحاسيس” ولا إلى “حروب الجندر”. نحن بحاجة إلى أن نتذكر أن الغزل كان أول لغة تحدث بها آدم وحواء، قبل أن يكون هناك هواتف أو قوانين أو جمعيات. فهل لنا أن نستعيد تلك اللغة، ولو لدقيقة واحدة، في ملهى حكومي بارد في ليتوانيا؟ ربما نعم. ربما لا. لكن الأكيد أن توماس لم يرد على هاتفه تلك الليلة. وهذا، في حد ذاته، معجزة.

📲 Partager sur WhatsApp

3 thoughts on “سهرة في فيلنيوس: حوار بين الروح والآلة

  1. لكن في العمق، هناك انزلاق واضح نحو التعميم. تصوير العلاقات الحديثة وكأنها محكومة فقط بالخوف من القوانين أو “رهاب اللمس” فيه قدر من المبالغة. الواقع أكثر تعقيدًا: صحيح أن التطبيقات غيّرت شكل العلاقات، لكنّها أيضًا فتحت فرصًا لم تكن موجودة سابقًا. كذلك، طرح فكرة أن “الغزل أصبح جريمة” يلامس خطابًا شعبويًا أكثر منه تحليلًا دقيقًا

  2. قصة قصيرة هادفة تعيد قراءة الواقع قياسا” مع الماضي للظهر الوجه الحقيقي للعلاقات الانسانية وجوهر الحب الذي لا يشبه زغل .

  3. حكي يتنفس أسلوب الروائي كونديرا في وقوفه على ما للعصر وفواعله، من قوة لتحويل مفهوم الحاجة والعلاقات الإنسانية ومفهوم الجسد والحب….
    أرضية فكرية خصبة لتوسيع مسار هذه القصة إلى رواية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *