في-ملجأ الهويات التائهة-
د.محمد طواع
العنوان، ذلك الباب الأول، عتبة السير حيث تومض في ثلاث كلمات كأنها نجمات تختصر ليلا كاملا. هن همس الحكاية قبل أن تقال، وضربة الضوء على ما يراد له أن يظهر، كلمات قليلة، لكنها تحمل ثقل البوح كله، وتعد بأن ما سيروى قد كثف هناك، في عبارة تقول كل شيء دون أن تقول.
والتزاما بالإيحاء القوي لعنوان هذا العمل، سأقف عند الصور التي نسجت سياقا نقديا لعالم الغربة الجريح، مع تداعيات أحدات 11 شتنبر. أما ما عدا ذلك سأتركه لعين أخرى. هذا مع تقديم لابد منه بالنسبة للآتي من قارة الفلسفة، وخاصة وأن العمل هو عمل ترجمي.
لتأمل العنوان، نستمع للسن العربي:
-كلمة “ملجأ” تفيد: أنها من فعل “لجأ”، غير أنها تفتحنا على كلمات الاحتماء، الاعتصام، الإنضمام، التحصن، الملاذ، المأوى، الغوث، السفر، العبور، الغربة، الإقامة…
-كلمة “الهويات” مفردها هوية، وتشير إلى: الذات، الماهية، الحقيقة، الشخص، الشخصية، الإسم، التعريف…
-كلمة التائهة هي من “تاه”، وتحيل على الضلال، الحيرة، الشرود، الضياع، الاغتراب، التوهان، السدى، العمى، الاضطراب…
يفيد هذا التعدد الذي تكلمه كل كلمة على حدة، أن مهمة الترجمة، منذ البدء، تتكلم بلغة مبلبلة. ويزداد الأمر استشكال، لما يكون الكاتب والمترجم مسكونان بعين المنحدر اللساني والأنثروبولوجي، وهو “تامغربيت”. كلاهما سيستضيف الآخر في لغة تتكلم أكثر من لغة، “علما أن اللغة، أية لغة، بابلية في جوهرها”، كما كما ذهب الأستاذ عبد السلام بنعبد العالي إلى ذلك.( النص المتعدد، ص.69). وهو ما يعني أن اللغات، باعتبارها عماد البيان البشري، تتشابك عندهما في “عمليات” الترجمة التي تضعهما وجها لوجه مع مكر اللغة وخبثها. و هي الحقيقة التي تجعل كل لغة تخالف نفسها، قبل أن تختلف مع غيرها من اللغات.
من هنا السؤال: ما المسافة التي اتخذتها اللغة الفرنسية للكاتب، وهو مغربي، من ذاكرته اللغوية الأمازيغية والعربية وحمولة ال”تامغربيت”؟ ونفس السؤال بالنسبة للمترجم: ما المسافة التي اتخذتها عربيت-ه من فرنسيت-ه؟ ومادام لسان كل من الكاتب والمترجم يتنفس عبق تامغربيت، تكون لغتهما في ترجمة دائمة بين لغات. وهذ يعود إلى أن “في كل كلمة كلمات أخرى، وفي كل لغة لغات أخرى” (نفسه ص. 70).
في بلد المهجر ترجمت ال “تامغربيت” على لسان الكاتب، مكابدتها للاغتراب والتيه وإشكالات قيم العيش المشترك ومسألة الغيرية، بالفرنسية. غير أنها ترجمت نفسها، أي ال”تامغربيت” مرة أخرى، بلغة مسقط الرأس بيدين، ليجد المترجمان ذاتهما في حوار مع نص لسانه “لسان أفعى”.
المحاولة الترجمية هي للسيدين عبد العزيز كوكاس وسعيد الرباعي، تحت عنوان “ملجأ الهويات التائهة“، للكاتب مجيد بلال، في طبعة أنيقة من منشورات النورس، سنة 2026. عمل متشظ لحكواتي، حرر الطريق للقول، عبر ستة وثلاثين نص حكائي. كتبت هذه المحكيات على أرض إحدى مدن جنوب شرق كندا. أما “نقطة” مجمل الحكي الذي أصابتني عيون كلماته، فهي ترتبط بما سيعيشه “المغترب” من تراجيديا، بعد “الحدث” الذي سمته الصحافة “أحداث 11 شتنبر”.
في ليلة هذا الحدث انقلب عالم القيم رأسا على عقب، لتمسي إشكالية الغيرية أم الإشكالات. مرآة صورة الذات عند الغير تهشمت بدرجات. ماذا تعني الإقامة، لما تصبح ملامح الوجه تزعج الغير؟ وماذا بقي من معنى لقيم التعايش والضيافة في بلد المهجر، أمسى فيها كل شخص اختار اللجوء بإرادته، “كائنا كافكاويا”، يعيش يومياته فيما هو يبذل كل ما في جهده، لكي يثبت براءته، عن جرم لم يرتكبه؟ كل منفي بات يحمل عبء الذنب قبل المحاكمة. و يأتي المغاربيون على رأس من هم في قلب العاصفة. جلهم يضطر للتقية، حتى لا يتعرض للأذى. (ص. 119 من النص). نسجوا لهم هويات لا تشبههم في شيء.
في صورة جد مكثفة تقربنا المحكيات من هذه الوضع الضنين الذي يحرك فواعل كثير على رأسها الإعلام، من أجل خدش صورة الغير إلى حد شيطنته. ما يجعل الغريب يبدو كالمسوخ المهدد للكينونة. بعد هذا الحدث الضنين، لم تعد الأرض هي الأرض، لم يعد الجو دافئا وهادئا في شيربروك بالنسبة للمهاجر. عليه منذئذ أن يعلن عن ملته قبل الحديث عن إمكان علاقة عاطفية. أمست اللغة اليومية تنفجر منها كلمات بذيئة وسخرية قاسية.
“لقد ابتلعت القضايا الهوياتية العلاقات الاجتماعية، وغزت الأديان والنزعات المحافظة الفضاء العمومي” ص. 115. بحيث أن كل عنصر من الهوية، أمسى موضوعا للاستخبار: الإسم، الأصل، الملامح، العقيدة. وقد لعبت الدعاية دورها القذر في إنتاج صور محملة بفظائع الهمجية، وخلق نقاش حول التطرف، ما أدى إلى خلق صورة “للمشبوه” مثل باقي “الحمضيات”، ليضحي الغريب كائنا يلزم وضعه تحت المراقبة الدائمة. كل شبهة كانت تخيم على “المجعدين والسمر والعرب والمسلمين منذ 11 شتنبر”. ص 118.
مع انهيار قيم العيش المشترك، يتعرض مفهوم الاختلاف لسوء التأويل، بحيث أن ما هو طبيعي وأصل، أي الاختلاف، يحوله مجتمع الإعلام إلى تفاوت. ما أثبتته الأنثروبولوجيا أصلا في كينونة الإنسان، تحول إلى أساس التمييز والعنصرية والنبذ والميز في ميدان العمل، لينهار مفهوم “المواطن” في الغربة، ليجد نفسه في قلب كماشة مطاردة الساحرات.
📲 Partager sur WhatsApp
تامغربيت في المنفى ليست هوية تحمل، بل جرح يتكلم. هي ليست أصلا ثابتا، بل حركة دائمة بين لغات، بين ذاكرات، بين صور تتشقق كلما انعكست في عين الآخر. في الغربة، لا تعود “تامغربيت” بيتا جاهزا للسكن، بل تصير سؤالا مفتوحا: من أنا حين يعاد اسمي تأويلا، ووجهي شبهة، ولغتي ترجمة لنفسها؟
تكشف التجربة أن الهوية ليست ماهية مغلقة، بل علاقة؛ تتشكل في مرآة الغير، وتتصدع حين تختل تلك المرآة. بعد أحداث مثل أحداث 11 سبتمبر، يتحول الاختلاف من شرط إنساني إلى تهمة، ويصير الانتماء عبئا يحتاج إلى تبرير. هنا تنقلب الهوية من إمكان للوجود المشترك إلى ملف أمني، ومن تعبير عن الذات إلى دفاع دائم عنها.
تامغربيت في المنفى تشبه لغةً فقدت يقينها: تتكلم العربية وفيها صدى الأمازيغية، وتكتب بالفرنسية وفيها حنين التراب. هي كائن بين-بين: لا يقيم تماما هنا، ولا يعود كاملا إلى هناك.
تلبس أقنعة لتنجو، لكنها في كل قناع تفقد شيئا من وجهها. لذلك، فـ”ملجأ الهويات التائهة” ليس مكانا جغرافيا، بل حالة وجودية: أن تبحث عن نفسك في عالم يسبقك بالحكم عليك،
وأن تعيد اختراع ذاتك كل يوم، لا لتكون ما أنت عليه، بل لتنجو مما يراد لك أن تكونه.