العنف المدرسي وجدلية الجسد المتمرد

بقلم زكية لعروسي , باريس

لنتخيل للحظة أن “الجاحظ” عاد إلينا اليوم، وجلس في مقهى فرنسي قرب جامعة بول فاليري، وأعطي هاتفا نقالا يُظهر له فيديو من ثانوية جول غيسد في مونبولييه. كان سيرى ما رآه ملايين البشر: أستاذا يصفع تلميذا، ثم تلميذا يلكم أستاذه. هل كان سيندهش؟ كلا، بل كان سيهز رأسه قائلا: “هذا شيء أعرفه منذ ألف عام. في البيان والتبيين كتبت عن المعلمين الذين يضربون، وعن التلاميذ الذين يضربون المعلمين، وعن الآباء الذين يرسلون أبناءهم ليُضربوا في الكتاتيب ثم يعودون فيضربونهم في البيوت”. لكن الجاحظ لم يكن ليكتفي بالدهشة، بل كان سيكتب كتاب التربويين والمدربين، ويسأل: لماذا نحن، في كل عصر، ننسى أن العنف التربوي ليس استثناء، بل هو أصل؟ لماذا نصعق كل مرة يحدث فيها ما كان يحدث دائما؟

هذه القصة من مونبولييه ليست حادثة معزولة، بل هي “نافذة زجاجية” على ظاهرة قديمة قدم الكتابة نفسها. الظاهرة التي يسميها تلاميذ اليوم: “أستاذ يصورني فأضربه فيضربني”، ويسميها الإعلام: “عنف مدرسي”، ويسميها الفلاسفة: “جدلية الجسد الخاضع والجسد المتمرد”. قبل أكثر من ألفين وخمسمائة عام، في أثينا الكلاسيكية، لم تكن المدرسة مختلفة كثيرا في بنيتها العميقة عن ثانوية في جنوب فرنسا. بل ربما كانت أكثر وضوحا في قسوتها. يخبرنا الباحث فايرون في دراسة عن “الأسس الجسدية للسلطة في اليونان القديمة” أن الجسم كان هو المسرح الأول لكل صراع على السلطة. لم يكن هناك “عنف مدرسي” كمصطلح منفصل، بل كان العنف هو الأداة التعليمية الأولى.

تقول أحد النصوص اليونانية القديمة: “إذا أطاع الطفل، فبها. وإلا يُقوَّم بالتهديدات والضرب، كما تُقوَّم قطعة الخشب المعوجة”. هذه العبارة، التي قد تسمعها اليوم من أفواه بعض المعلمين المسنين الذين يتذكرون “الأيام الخوالي”، هي في الحقيقة عمرها 2500 سنة. نعم، نحن نكرر نفس الجمل، ونتعجب من نفس النتائج، ونتساءل: “كيف وصلنا إلى هنا؟” وكأن “هنا” مكان جديد لم نزره من قبل. بل أكثر من ذلك: كانت أثينا تمارس “عدالة الجسد” بوضوح. فالعبيد، على سبيل المثال، كانوا يستجوبون تحت التعذيب لأن شهادتهم “الحقيقية” لا تظهر إلا من خلال الألم الجسدي. كان قانون أثينا يقول: لا يمكن الوثوق بكلمات الإنسان ما لم يتحدث جسده أولا، والجسد لا يتحدث إلا بالندبات.

نحن اليوم لا نستجوب التلاميذ تحت التعذيب، لكننا ما زلنا نعتقد – في أعماق ثقافتنا – أن “الردع الجسدي” هو الملاذ الأخير الذي لا مفر منه. عندما يصور أستاذ تلميذا ليشكوه، والتلميذ ينتزع الهاتف، والأستاذ يصفع، والتلميذ يلكم – هذا ليس فشلا في التواصل، هذا هو التواصل نفسه. هذا هو الحوار الذي لا تعرفه المدارس إلا حين تفشل كل الحوارات الأخرى.

لم تكن أثينا استثناء. في سومر، قبل أن تكتب الإلياذة، وجد لوح طيني صغير يحكي عن تلميذ جُلِد من معلمه. في مصر القديمة، كانت “حكمة” الكاتب تقول: “آذان الصبي على ظهره” — أي أنه لا يسمع إلا حين يُضرب. في الصين القديمة، كان المثل الشائع: “إن أحببت ابنك فأعطه السوط، وإن لم تحبه فأعطه الحلوى”. نحن هنا أمام ظاهرة كونية. ليس العنف المدرسي “مرضا” أصاب فرنسا في 2026، بل هو “حمى” تصاحب المدرسة منذ ولادتها. السؤال ليس: “لماذا حدث هذا في مونبولييه؟” بل: “كيف استطاع هذا النظام أن يستمر خمسة آلاف عام دون أن ينهار؟”

الجواب بسيط ومؤلم: لأن كل جيل كان يعتقد أن جيله هو الذي اخترع اللاعنف. ننسى أن أفلاطون نفسه، في الجمهورية، دعا إلى التعليم باللعب وليس بالإكراه. لكنه، في القوانين، عاد ليقول إن الضرب ضروري لبعض الطباع. حتى أعظم فلاسفة التربية كانوا مترددين. لنعد إلى الجاحظ، ذلك العبقري البصري الذي فهم أعماق النفس البشرية كما لم يفهمها أحد. كتب الجاحظ عن “المعلم” بصفته شخصية مركبة: هو نصف نبي ونصف جلاد. في البيان والتبيين، يصف الجاحظ كيف أن المعلم، حين يدخل الفصل، يحمل معه سلطتين: سلطة العلم التي يمنحها، وسلطة الجسد التي يمارسها.

يقول الجاحظ – وأنا أعيد صياغته بلغة اليوم -: “المعلم الذي يضرب ليس شريرا بالضرورة، لكنه إنسان يئس. اليأس هو الذي يحول الأستاذ إلى طاغية صغير. والأستاذ اليائس يشبه الحاكم العاجز: حين يفقد القدرة على الإقناع، يلجأ إلى الإكراه”. في قصة مونبولييه، الأستاذ كان يصور التلميذ بهاتفه. لماذا؟ “لكي أتعرف عليه”، كما قال. هذه جملة غريبة. أستاذ لا يعرف تلميذه؟ أم أستاذ يعرف تلميذه جيدا لكنه يريد “توثيق” المخالفة؟ هنا تكمن المأساة: الهاتف الذكي أصبح عصا التحقيق الرقمية. لم نعد نضرب بالعصي، بل نصور ونفضح ونفضح. العنف لم يختف، بل تغير شكله. والأستاذ، حين صفع، لم يصفع جسدا فقط، بل صفع كل اليأس الذي تراكم في داخله.

لكن – ولا بد من قولها – “الصفعة ليست دفاعا عن النفس” حين يكون الطالب أعزل والكاميرا تصور. هنا وقف بعض النقابيين يقولون: “الأستاذ ضُرب ورُكِل وجُرح”. وتلاميذ المدرسة يقولون: “كانت صفعة وردّتين، وليس رجما بالحجارة”. أيهما الصحيح؟في العادة، كلا الروايتين صحيحتان ومضخّمتان في آن. الإعلام يصنع الوحوش من الجانبين: أستاذ مفترس، وتلميذ مارق، ونظام فاشل. الحقيقة أكثر عادية وأكثر حزنا: إنسانان (أستاذ وتلميذ) دخلا في دائرة العنف لأنهما لم يجدَا مخرجا آخر. أحدهما كان يملك السلطة المؤسسية، والآخر كان يملك السلطة الجسدية (لأنه أصغر وأسرع)، لكن كليهما كان عاجزا عن الكلمة.

ماذا قال التلاميذ أنفسهم؟ صوت الجيل الذي يشاهد الجزء الأكثر إثارة في هذه القصة ليس الفيديو، بل  ردود فعل التلاميذ في اليوم التالي. قال أورورا، إحدى طالبات المدرسة: “لا نبرر ما حدث، لكن أن يقال إن الأستاذ قد ضُرب ضربا مبرحا… هذا بعيد عن الحقيقة”. أوسكار قال: “كلاهما مخطئ، لكن الأستاذ مسؤوليته أكبر”. مالو، ممثل التلاميذ، قال: “المدرسة ليست مكانا للتنافس بين الأساتذة والتلاميذ… هذه ظاهرة معزولة”. هذا هو صوت “جيل الشاشات” ، الجيل الذي يعرف كيف يقرأ الفيديو بسرعة، وكيف يفرق بين الصفعة والركل، وبين “الدفاع عن النفس” و”العدوان المتبادل”. هؤلاء التلاميذ ليسوا “همَجا” ولا “ملائكة”. هم مجرد مراهقين يمتلكون أداة لم يمتلكها جيل قبلهم: التصوير الفوري. الكاميرا في جيب كل تلميذ تعني أن العنف لم يعد خاصا. كل صفعة تصبح وثيقة. وكل وثيقة تصبح قضية رأي عام. وهنا المفارقة: الذين اشتكوا من “التغطية الإعلامية” هم التلاميذ أنفسهم. يقول أورورا: “التغطية أزعجتني”. ولماذا؟ لأن التغطية صورتهم كوحوش، والأستاذ كضحية، بينما هم يرون أنفسهم كبشر في لحظة غضب. فهل نحن أمام خراب لا يرى: ما الذي يخرب التعليم حقا؟

نحن نصرخ: “العنف يخرب التعليم!” صحيح. لكن السؤال: هل العنف المدرسي سبب الخراب أم نتيجة له؟ استمع إلى مالو مرة أخرى: “هذه الحادثة هي أيضا نتيجة وصمة العار التي يتحملها تلاميذ البكالوريا التكنولوجية… ونقص الفضاءات الخاصة للتلاميذ… والمشكلة العامة لنقص الوسائل والاكتظاظ في العديد من الصفوف”. المعلم الذي يصفع لا يصفع لأنه شرير، بل لأنه مرهق. مرهق من فصول يزيد عددها عن 35 تلميذا. مرهق من تلاميذ لا يجدون مكانا للجلوس. مرهق من إدارة تطلب منه “الضبط” دون أن تعطيه أدوات الضبط. مرهق من أولياء أمور يتصلون به في العاشرة مساء. مرهق من رواتب لا تكفي. مرهق من الاحترام الذي كان له بالأمس وسحب منه اليوم دون بديل.

نحن نتحدث عن “تربية العنف” كأنها مشكلة أخلاقية. لكنها مشكلة بنيوية. الجاحظ كان ليقول: “العنف في المدرسة ليس مرضا، بل عرض. المرض هو انهيار السلطة الرمزية للمعلم”. المعلم في الماضي كان يحمل “العصا” لكنه نادرا ما كان يستخدمها. كان الخوف من العقاب كافيا. اليوم، الخوف تلاشى، والعصا تحولت إلى كاميرا، والكاميرا استفزت التلميذ، والتلميذ ضرب، والمعلم ضرب. لا أحد خائف. والجميع يصور. في الأغاني لهوميروس، هناك مشهد يضرب فيه البطل أستاذه. في رسائل سينيكا، يشكو الفيلسوف من تلاميذ “لا يحترمون معلميهم”. في كتابات ابن سحنون عن آداب المعلمين، يوصي الفقيه بأن “لا يضرب المعلم التلميذ ضربا مبرحا” – أي أن الضرب الخفيف كان مسموحا. كل عصر كان يعتقد أنه العصر الوحيد الذي يعاني من “أزمة التعليم”. وكل عصر كان ينسى أن الأزمة قديمة قدم التعليم نفسه.

ما حدث في مونبولييه ليس نهاية العالم. هو فصل جديد في رواية قديمة. رواية عنوانها: “صراع الأجيال الذي لا ينتهي”. وروايتها الفرعية: “كيف حولنا المدارس إلى ساحات حرب صغيرة”. التلاميذ يقولون اليوم: “نريد محادثة، لا حربا”. الأساتذة يقولون: “نريد احتراما، لا خضوعا”. والإعلام يقول: “نريد مشاهدة، لا حقيقة”. والجميع ينسى أن الحل الوحيد هو العودة إلى ما كان يجب أن نبدأ منه: كلمة. في المثل العربي القديم: “اللي يدو فالما مشي بحال اللي يدو فالنار”. من يضرب ومن يصور ومن يبث، كلهم أيديهم في النار. لكن النار اشتعلت قبلهم بآلاف السنين. نحن فقط من ننكر أننا نراها.

بعد هذه الحادثة، يمكن للقارئ أن يسأل نفسه: لو عاد الجاحظ اليوم وكتب عن مدرسة مونبولييه، هل كان سيكتب مقالا أم رواية أم سيرة ذاتية لمعلم فشل؟ أظنه كان سيكتب كل هذا معا، ثم يقول: “هذا ليس جديدا. لكن الجديد هو أنهم يظنونه جديدا”. وهذه هي المأساة الحقيقية.

📲 Partager sur WhatsApp

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *