بقلم زكية لعروسي, باريس
يحكى أن ذئبا عجوزا قال للقطيع ذات مساء: “الخروف لا يشبهنا، صوفه أبيض وعيونه غريبة، فلنبعده عن المرعى”. فصفق الثعالب، وهتف ابن آوى، ونامت الأغنية على لحن واحد. ثم جاء راع فقال: “ولكن الخروف منكم وفيكم”. فابتسم الذئب: “هذا هو العيب الأكبر”. في ميدان ميلانو، حيث ترتفع بكاتدرائيتها كشاهد حجري على قرون من الصراعات، تحول المشهد إلى لوحة سوريالية: ماتيو سالفيني يحتضن جوردان بارديلا، وكأنهما يمثلان مسرحية بعنوان “الأخوة في العداء”. هناك من يرى في هذا العناق سياسة، لكن من يغوص في التراث الشعبي العربي يجد البيت القائل: “عانقني العدو فقلت: مهلا، هذا الحب يسبق الطعن أحيانا” إنها “ديماغوجية القبلة المسمومة”, حيث تصبح الكراهية للإنسان قالبا لحب الوطن.
هتف الحشد: “ريميغريشن”. وكأن أوروبا عادت إلى زمن “البراءة المفقودة” حين كان “الآخر” يطرد باسم النقاء. تستحضر الكلمة في الذاكرة العربية “غزوة الأشراف” في التراث، حين كان البعض يطردون رفاق الدرب بحجة اختلاف الوشم. لكن المفارقة أن سالفيني يصف أوربان بأنه “حامي الحدود”، وأوربان نفسه كان قبل أعوام يستقبل اللاجئين الأوكرانيين بابتسامة. إذن ليست الحدود هي المشكلة، بل لون الألم. أليست هذه هي “عنصرية التفاحة” التي يصفها المثل الصوفي؟ “التفاحة إذا سقطت على حجر، بقيت تفاحة. لكن إذا سقط الإنسان على حدود، تغيرت جنسيته”.
جاء بارديلا إلى ميلانو وقال باللغة الإيطالية: “وداعا ماكرون”. يا للروعة! رجل يريد “فرنسا للفرنسيين” لكنه يتحدث بلغة غير الفرنسية أمام جمهور إيطالي. هذا هو “عيب القومي العالمي” : أنت قومي في بلدك، لكنك دولي في تحالفاتك. يذكرنا هذا بـ “أبي نواس” حين قال:
أنا الذي سكرت بلغة غير لغتي~~~حتى ظننت أن الكأس لي والكأس لغيري.
في السياسة، السكر بالشوفينية لا يصنع وطنا، بل يصنع “كورالا يردد كراهية واحدة بلغات مختلفة”. على بعد مئات الأمتار، رفع آخرون راية: “ميلانو مهاجرة” وحملوا الأعلام الفلسطينية. المشهد هنا ليس مجرد احتجاج، بل هو “معركة السردية” : سردية الخوف مقابل سردية الأمل. الأولى تقول: “سوف نغرق”. الثانية تقول: “لقد غرقنا معا من قبل ونجونا”.
في التراث العربي، هناك حكاية “الطير المهاجر” التي تقول: “كل الطيور هاجرت، لكن الريح بقيت تعرف أسماءها”. اليمين المتطرف يريد أن يجعل الناس ينسون أن أوروبا نفسها كانت يوما أرض هجرة – الهون، الفايكنج، البرابرة، وحتى الرومان أنفسهم كانوا يوما “غير أصليين”. في ذات اليوم، اجتمع سانشيز ولولا وشين باوم في برشلونة تحت عنوان “حماية الديمقراطية”. لم يكونوا مثاليين، لم يقولوا إن العالم جنة، لكنهم قالوا شيئا واحدًا: “الخوف ليس خطة”. اليمين المتطرف يبيع الخوف كمنتج، ثم يبيع الحل كوهم: “نحن وحدنا نحميكم”. هذا هو “سحر الديكتاتور الصغير” : أن تصنع وحشًا ثم تعرض قتله. يقول المتنبي:
وإذا كانت النفوس كبارا~~~ تعبت في مرادها الأجساد
لكن اليمين المتطرف يريد أجسادا صغيرة، لا تتعب، لا تهاجر، لا تفكر. فقط تصوت. تقف الكاتدرائية وحدها، كما يقف التاريخ وحده. يعرف أن كل “أصلي” كان يوما “غريبا”، وكل “نقي” كان “مختلطا”. السياسة الديماغوجية هي “شجرة تتغذى على خوفها من جذورها” . ربما كان الحل في بيت شعري مجهول من التراث الشعبي المغربي: اللي خايف من الضيوف يطفّي الضو ويشكرالظلام”. لكن النهار سيأتي حتما. ولن تجد الظلمة من يشكرها.
📲 Partager sur WhatsApp