بقلم زكية لعروسي, باريس
ليس الوعي نافذة تطل على الخلاص،بل حفرة عميقة يطل منها الإنسان على هشاشته.حين حذّر نيتشه من الوعي لم يكن يكتب ضد المعرفة،بل ضد فائضها،ضد تلك اللحظة التي يرى فيها الكائن ما لا يحتمل،فيتحول النظر إلى عبء،والفهم إلى لعنة.هذا ما يحدث اليوم للإنسان العربي حين ينزل، دون خوذة، إلى ما تحت السطح. فالسطح كان رحيما: لغة جاهزة، سرديات مطمئنة، تاريخ ممجَّد، وهوية تقال ولا تفكر.أما ما تحت السطح فمختلف:فراغ، تصدّعات، قيم متآكلة، وسؤال ثقيل بلا جواب.هنا يبدأ الوعي في التحول من وعد بالتحرر إلى أداة تعذيب داخلي. نيتشه كان يعرف هذا النوع من الألم؛ ألم أن ترى قبل الآخرين، أن تسمع تصدّع المعنى بينما ما يزال الجمع يرقص على موسيقى قديمة.الإنسان العربي الواعي يعيش هذا التمزّق بعنف مضاعف: فهو لم يرث فقط عبء الحداثة الناقصة، بل عبء تاريخ لم يحسم، ودين لم يفكر .حين يرى ما تحت السطح يكتشف أن كثيرا مما قيل له مقدّسا كان هشا، وأن كثيرا مما قيل له خالدا كان مؤقتا، وأن كثيرا مما قيل له هوية لم يكن سوى قناع.في تلك اللحظة، يتحوّل الوعي إلى لعنة نيتشوية خالصة: أن تعرف ولا تستطيع العودة إلى البراءة، أن تفهم ولا تملك قوة التغيير، أن ترى وتجبر على العيش وسط العميان. الوعي هنا لا يمنح السيادة بل العزلة. الإنسان العربي الواعي يصبح كائنا معلقا بين زمنين:لا هو قادر على الإيمان الكامل ولا هو قادر على القطيعة الكاملة.يمشي وفي داخله مقبرة أسئلة،ويحمل على ظهره إرثا لم يختره.
نيتشه كان سيقول إن هذا الوعي المأزوم يحتاج قبل كل شيء إلى قوة النسيان،إلى تلك القدرة الحيوية على إغلاق بعض الأبواب حتى لا ينهار البيت كله.لكن النسيان في الثقافة العربية معطّل؛ فالذاكرة مثقلة، مقدّسة، تستعمل كسلاح، والتاريخ لا ينسى بل يعاد تدويره كعقاب جماعي.من هنا يتفاقم المرض: وعي بلا أفق، ومعرفة بلا فعل، وكشف بلا قدرة على الخلق. حين يرى الإنسان العربي ما تحت السطح يرى أن الأخلاق ليست بريئة، وأن اللغة نفسها متورطة في إنتاج الوهم. هذا الإدراك لا يكافأ، بل يعاقَب.فيتحول الوعي إلى نفي اجتماعي، والتفكير إلى شبهة، والسؤال إلى تهمة. هنا تصبح لعنة الوعي مضاعفة: لعنة الفهم ولعنة العيش وسط من يرفضون الفهم. نيتشه لم يقترح شفاء سهلا؛ لم يعد بالطمأنينة، بل بالتجاوز.التجاوز عنده ليس ثورة سياسية ولا إصلاحا أخلاقيا، بل شجاعة وجودية: أن تخلق معنى مؤقتا بدل البحث عن معنى نهائي، أن تقول نعم للحياة رغم قسوتها، وأن تتحمّل الحقيقة دون أن تطلب لها عزاء زائفا. الإنسان العربي، إذا أراد النجاة من لعنة الوعي، لا يحتاج إلى مزيد من الشعارات، بل إلى شجاعة نيتشوية نادرة: أن يتحمّل ما رأى، وأن يحوّل الكشف إلى قوة، والجرح إلى معرفة، والوعي من لعنة إلى امتحان للكرامة. فالوعي لا يقتل من تلقاء نفسه، ما يقتل هو أن ترى ما تحت السطح ولا تمتلك شجاعة العيش بعد الرؤية.
📲 Partager sur WhatsApp