زكية لعروسي, باريس
في مشهد يليق بأعاجيب ألف ليلة وليلة، حيث تختلط الأحلام بكوابيس الواقع، يقف إيمانويل غريغوار، سيد قصر باريس الجديد، متوشحا بعباءة الأماني الكبار، يطلق في فضاء الكون سحر كلماته: “لا طفل واحد ينام على قارعة الطريق في باريس بحلول شتاء 2026”. إنها كلمات كأنما نقشت بأنامل الجنية على جدران قصر اللوفر، لكن هل تنبض بالحياة أم تظل أسطورة ترويها الرياح الباردة على مسامع الجدران الحجرية الباريسية؟
لكن يا للأسف! فبينما يسبح الحالمون في فيافي الوعود، تنهض من تحت الجسور المعلقة أطياف بائسة، تخرج من بطون المترو الأنفاق كأشباح أوديسة هائمة. ففي تقارير صادمة، يرتفع عدد المخيمات العشوائية في باريس إلى أعلى مستوياته منذ ستة أعوام، كأنها أوراق خريف سوداء تنثرها رياح القدر على أرصفة المدينة الضوئية. إنها مفارقة كتلك التي حيكت في قصة الأمير والفقير، حيث يتسيد الأمل قمة القصر بينما يتخبط اليأس في قاع الأقبية. ألم يسبق إيمانويل غريغوار إلى هذه الدرب قبله إيمانويل ماكرون الذي وعد عام 2017 بأن “لا رجال ولا نساء في الشوارع أو الغابات أو التائهين”؟ لكن الرياح تجري بما لا تشتهي السفن، والأطفال ما زالوا يلفعون بأسمال البرد على أرصفة المترو المعلق.

يفتح غريغوار كنوز بلاد العجائب ليخرج منها بـ 4000 مكان إيواء جديد، لترتفع قدرة المدينة إلى 7000 مكان، كأنه يبني قصورا عائمة في سماء باريس على غرار “الفقاعة الإنسانية” التي تألقت بين 2016 و2020. ويذكرنا بقصص شهرزاد حين كانت تبني قصورا من الكلمات لتردع الموت. لكن هل تصلح هذه القصور الوهمية لإيواء كل هذه الأطياف المتجمعة؟ يتساءل ديدييه فلوروفسكي، رئيس اتحاد باريس للجمعية الشعبية للإغاثة: “عندما نتحدث عن إيواء الأطفال، يجب أن نتذكر العائلات بأكملها التي ترافقهم، وكأننا نحاول إيواء ظل بشخص، فيظل الشخص خارجا
أما إريك سينياربيو، مندوب الاتحاد الوطني لمراكز العمل الاجتماعي والثقافي، فيهمس في آذاننا بحكمة عجائبية: “باريس ليست وحدها في هذا الكون الرحب”. فهناك مدن أخرى في المنطقة تحمل في جعبتها أماكن إيواء، لكن يبقى السحر الأكبر في “رقم 115″، ذلك الساحر الذي يوزع العجائب على المحتاجين. وتمتلك باريس كإقليم سلطة حماية الطفولة، مما يمكنها من مصادرة فنادق بأكملها كأنها تستدعي الجن من القمقم. لكن التحذير الأعظم يأتي من حكماء هذا الزمان: ليس المأوى وحده كافيا. بل يحتاج هؤلاء الأطفال المسحورون إلى عصا سحرية من نوع آخر، عصا الإدماج الاجتماعي، وإعادة فتح أبواب التعليم والصحة، وكأنهم أليس في بلاد العجائب تحتاج إلى مفتاح يعيدها إلى رشدها.

يبقى السؤال معلقا في هواء باريس البارد: هل يستطيع غريغوار أن يحقق ما عجز عنه سابقوه؟ هل ستتحول وعوده إلى نسيج واقعي تنسجه أنامل الإرادة والميزانيات، أم ستظل كقصص شهرزاد التي تنقذ الروح لليلة واحدة ثم تعود الشرور من جديد؟ إنها معركة بين سحَر الأماني وجبروت الأرقام، بين الأحلام الجميلة وكوابيس الطوابير، بين عظمة الأهداف وصعوبة التنفيذ. وما لم تنفتح صناديق الدنيا بسخاء، وتتحرك عجلات البيروقراطية بسرعة الضوء، فسيظل أطفال باريس ينامون تحت وهج أضواء برج إيفل، كأنهم لآلئ مبعثرة في بحر من الأسفلت والخرسانة. والحقيقة أن باريس التي أنجبت فيكتور هوغو وأهدت العالم جان فالجان، مدينة الأحلام والأشباح، قادرة على أن تكون نموذجا في كرامة الإنسان، أو على الأقل… كرامة أطفالها. يبقى الشتاء قادما، ويبقى الأطفال هناك… ينتظرون.
📲 Partager sur WhatsApp