بقلم الصحافي حيمري البشير, كوبنهاغن – الدنمارك
في حاضر يختلط فيه الصمت بالخذلان، وتختبر فيه ضمائر الأمم قبل مواقفها، يبرز صوت من خارج الدائرة العربية والإسلامية ليكسر جدار الصمت، ويعيد إلى الأذهان معنى الشجاعة السياسية والإنسانية. ذلك الصوت هو صوت بيدرود سانشيز، الذي، رغم اختلاف الدين والهوية، لم يتردد في رفع راية الحق، والانتصار لقيم العدالة والكرامة الإنسانية.
ليس غريبا أن يسجَل في صفحات التاريخ أن رجالا ونساء من خارج الجغرافيا العربية قد سبقوا في مواقفهم كثيرا ممن يفترض أنهم الأقرب وجدانًا وانتماءً. فها هي جورجيا ميلانو التي تصنَّف ضمن التيار اليميني، تفاجئ العالم بمواقف أكثر جرأة ووضوحا في إدانة الجرائم المرتكبة بحق الأبرياء، لتؤكد أن القيم الإنسانية الحقيقية لا تقاس بالتصنيفات السياسية، بل بمقدار الانتصار للعدل
في المقابل، يخيّم صمت ثقيل على أجزاء واسعة من العالم العربي، صمت يثقل كاهل الشعوب التي تتوق إلى التعبير، وتتطلع إلى لحظة انعتاق تسمِع فيها صوتها كما فعلت شعوب أخرى خرجت إلى الشوارع دفاعا عن المظلومين. إن هذا الصمت لا يعكس بالضرورة غياب الإحساس، بل ربما يعكس واقعا معقدا تتداخل فيه القيود السياسية مع الخيبات المتراكمة.
ومع ذلك، يبقى الأمل حيا. فالتاريخ لم يكتب يوما بصوت واحد، ولم تصنع التحولات الكبرى إلا بإصرار من تمسكوا بحقهم في الحلم، مهما اشتدت العواصف. إن المواقف الشجاعة التي تصدر عن سياسيين في مختلف أنحاء العالم، الداعمة لحقوق الشعب الفلسطيني، والمطالبة بالعدالة والإنصاف، تعيد إشعال جذوة الأمل في النفوس، وتؤكد أن الضمير الإنساني لا يزال حيا.
إن القضية الفلسطينية، بما تحمله من رمزية إنسانية وتاريخية، لم تعد شأنا إقليميا فحسب، بل أصبحت معيارا عالميا لمدى التزام الدول بالقيم التي ترفعها شعارات في المحافل الدولية. وفي ظل ما يشهده العالم من تحولات، تزداد الحاجة إلى أصوات حرة، تقف في وجه الظلم، وتدافع عن حق الشعوب في تقرير مصيرها، وفي مقدمتها حق الشعب الفلسطيني في إقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية.
إن الإشادة بمواقف الشجعان لا ينبغي أن تكون غاية في حد ذاتها، بل دافعا لإعادة النظر في واقعنا، واستنهاض طاقاتنا، وبناء وعي جماعي قادر على تحويل الأمل إلى فعل. فالأمم لا تنهض بالحنين إلى الماضي، بل بصناعة الحاضر، واستشراف المستقبل. و تبقى الكلمة الصادقة، والموقف الشجاع، حجر الأساس في كل تغيير حقيقي. وما بين الألم والأمل، يظل الإنسان الحر هو من يختار أن يكون في صف العدالة، وأن يرفع صوته عاليا، مهما كانت التحديات.
📲 Partager sur WhatsApp