مقص الرعب: حين تقص الأحلام قبل الشعر

بقلم زكية لعروسي،باريس

في مدينة مَسترِه الإيطالية، حيث تشرق الشمس على قنوات البندقية القريبة، حيث ينساب الماء بهدوء كالحبر على ورق، حدث شيء لم يخطر ببال أي كاتب رعب. في صف اللغة الإيطالية، بينما كانت طالبة تطلب توضيحات متكررة عن تمرين، وفجأة، وكأنها جنيّة شريرة خرجت من قلم حبر، انفجرت معلمة اللغة. لم تصرخ. لم تطرد. لم ترسل إلى المدير. قصّت…نعم قارئي العزيز, قصّت خصلة من شعر الطالبة. عشر سنتيمترات من الشعر الأسمر أو الأشقر أو البني – لا يهم اللون – سقطت على أرض الصف كجثة صغيرة. ثم، وبكل برود، كررت الفعل مع طالبة أخرى احتجّت.

المعلمة في الخمسين من عمرها، بديلة مؤقتة، ربما جاءت إلى الصف وهي تحمل جحيمها الخاص. زواج فاشل؟ أقساط بنك غير مدفوعة؟ أرق مزمن؟ مجرد تخمينات. لكنّ المؤكد: المقص الذي كان من المفترض أن يقطع الورق فقط، قطع جسدا حيا. قطع كرامة إنسانة. قطع آخر حدود الحرمة. دعنا, قارئي ، للحظة، نفتح تشريحا نفسيا، ليس للمعلمة فقط، بل للنظام بأكمله. ما الذي يحدث داخل إنسان في لحظة يقرر فيها أن العنف ضد جسد طالبه هو الحل؟ لا بد أنها تجاوزت كل الخطوط الحمراء في داخلها قبل أن تتجاوز الخطوط الحمراء المهنية. تصوّر معي: امرأة في الخمسين، دخلت مهنة التعليم ربما بحلم نبيل، واجهت أجيالا من الطلاب، بعضهم وقح، وبعضهم كسول، وبعضهم متعجرف. تراكم الإحباط كالصهارة تحت قشرة الأرض. ثم جاءت هذه الطالبة – ربما بريئة، ربما حقا مزعجة – لتكون ذلك الزلزال الصغير الذي فتح فوهة البركان. لكن لماذا الشعر؟

الشعر، في الثقافة الإنسانية كلها، رمز للهوية، للأنوثة، للجمال، للحرية. قص شعر أحد دون إذنه هو انتهاك يشبه الاغتصاب الرمزي. إنه قول: “أنتِ لست شيئا, أنت مجرد مادة يمكن تشكيلها كما أشاء”. المعلمة، في لحظة جنونها، لم تقصّ شعرا فقط. قصّت كرامة. قصّت السيطرة. قصّت آخر أمل في أن يكون الصف مكانا آمنا.

تخيّلوا, قرائي الأعزاء, مشاعر تلك الفتاة. أنت جالس على مقعدك، تطلب شرحا، فجأة تقترب منك امرأة تحمل مقصا، ثم… تشعر بخفة غريبة على رأسك، ثم ترى خصلة شعرك تسقط على الأرض كحيوان ميت. الصدمة الأولى: الخوف. الثانية: الذهول. الثالثة: العار. ماذا سيقول زملاؤك؟ ماذا سيقول أهلك؟ كيف سترى نفسك في المرآة الليلة؟ في حادثة واحدة، تحولت هذه الطالبة من متعلمة إلى ضحية. من طفلة إلى حالة. من إنسان له صوت إلى جسد انتهكت حدوده. الأسوأ: أن المعلمة لم تعتذر، ولم تتراجع. بل قصّت طالبة أخرى أيضا احتجاجا.

قبل أن نلوم المعلمة وحدها، دعونا نوجه جزءا من اللوم إلى صندوق أسود أكبر: النظام التعليمي. المعلمون في إيطاليا (وفي فرنسا، وفي العالم العربي، وفي كل مكان) يعانون. رواتب متدنية. صفوف مكتظة. ضغط هائل. آباء يتدخلون. إدارة تتخلى عنهم. طلاب لا يحترمون. ثم تأتي التقارير التربوية لتقول: “يجب أن تكونوا هادئين، ودودين، متفهمين، داعمين نفسيا”. وكأن المعلم روبوت عاطفي لا ينهار.

ما فعلته تلك المرأة ليس مبررا أبدا. لكنه مفهوم. إنه انهيار إنسان أنهكته المهنة، ونضبت طاقته، وطفح كيله. المقص لم يكن “أداة قطع، بل كان آخر صرخة. صرخة تقول: “أنا موجودة. أنا لا أحتمل بعد الآن. لكن يا سيدتي، كان بإمكانك أن تصرخي بالكلمات. كان بإمكانك أن تتركي الصف وتبكي وحدك. كان بإمكانك أن تطلبي إجازة نفسية. أي شيء سوى أن تقصي شعر طفلة.

قال الفيلسوف ميشيل فوكو: المؤسسات التعليمية هي سجون صامتة. فيها سلطة، فيها عقاب، فيها انضباط. لكن السلطة التقليدية للمعلم كانت قائمة على الاحترام المتبادل، لا على الإرهاب الجسدي. هذه الحادثة تكشف انهيار العقد الاجتماعي داخل الفصل. في الماضي، كان للمعلم هيبة. كان الطالب يخاف من كلمة، لا من مقص. كان العقاب معنويا (سوء سلوك، استدعاء ولي أمر) لا جسديا. لكن عندما سقطت الهيبة، وتكسرت الأدوات التقليدية، ولم يُعط المعلم بدائل فعالة، ماذا تبقى؟

تلك اللحظة الجنونية بالمقص هي دليل على أن النظام فشل في حماية المعلم قبل الطالب. لأن المعلم الذي يصل إلى هذه الدرجة من اليأس هو ضحية أيضا. لكن لا تخلطوا بيني وبين نفسي: الضحية الأساسية هي الطالبتان. هما صغيرتان، نما شعرهما طويلا ربما لسنوات، ربما كانت أمهما تمشطه كل صباح، ربما كان الفخر الوحيد لهما. في لحظة، شوهتهما امرأة فقدت صوابها. لا مبرر.

هذا المشهد يستحق فيلما للمخرج الإيطالي العبقري باولو سورنتينو. تخيلوا الكاميرا البطيئة: شعاع شمس يعبر من النافذة، بقع غبار ترقص في الهواء، مقص يلمع كالسكين في فيلم رعب، شعر يتطاير ببطء كريش طائر ميت، ثم صمت ثقيل… ثم بكاء. المشهد غريب، لا ينتمي إلى الواقع اليومي. لكنه وقع. وقع في مدينة تطل على مياه البندقية الرومانسية. وقع في عصر التعليم الرقمي والذكاء الاصطناعي. وقع لأن النفس البشرية، مهما تطورت التكنولوجيا، تبقى هشة كزجاج البندقية. المعلمة الآن مهددة بالفصل، وقد تواجه القضاء. لكن القضاء لا يستطيع إعادة الخصلتين إلى رأسيهما. ولا يستطيع ردّ الاعتبار لهاتين الفتاتين أمام زملائهما. ولا يستطيع أن يعيد لهما الشعور بالأمان في أي فصل دراسي مستقبلا.

في رواية “المهان والمُهان”، كتب دوستويفسكي: “لا توجد جريمة بلا عقاب، لكن العقاب الحقيقي ليس السجن، بل النظر إلى “وجه الضحية كل صباح. هذه المعلمة ستعيش بقية حياتها وهي تتذكر صوت المقص، وصوت الشعر وهو ينقطع، وصوت البكاء الذي تلا ذلك. هذا هو عقابها الحقيقي. ليس الفصل، ولا المحكمة، بل كابوس داخلي لن يغادرها. بالنسبة للطالبتين، لن تنسيا أيضا. كلما نظرتا في المرآة، وكلما زارهما مصفف الشعر، وكلما مرّت أمامهما امرأة تحمل مقصا… ستعود الكارثة. هذا …هو أثر العنف الحقيقي: إنه يستمر، ويستمر، ويستمر.

ما حدث في ذلك الصف الإيطالي ليس مجرد حادثة فردية. إنه عرض لمرض أعمق: مراهنة المجتمع على المعلمين كآلات لا تنهار، وتركهم يواجهون الجحيم بمفردهم. حتى ينفجر أحدهم، يوماً ما، وفي لحظة غباء تام، يقبض على مقص، ويقول: “بما أنكم لن تستمعوا لأصواتنا، سأجبركم على النظر إلى شعركم المسلوب على الأرض.” إنها رواية رعب بلا أشباح. بلا وحوش. بلا دماء. رعبها أنها حقيقية. وأنها قد تتكرر غدا، في مدرسة قريبة منك، مع معلم يئن تحت وطأة ما لا يطاق، ومع طالبة تسأل سؤالا بريئا.

📲 Partager sur WhatsApp

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *