بقلم زكية لعروسي، باريس
في مشهد مرّ عابرا في نشرة أخبار عادية، بتاريخ 23 أبريل 2026، سُطّر خبر: “مرسيليا: رجل مسلح بسكين أردته رصاص بلدية”. الرجل كان يستخدم هاتفه خلف المقود، ثم جاء التصعيد: نزول، سكين، تقدم نحو الشرطة، ثم ثلاث رصاصات. عمره 25 عاما. انتهى المشهد. لكن ما الذي يحدث حقا حين يتحول السكين من أداة يومية إلى سلاح إرهابي؟ كيف يعيد السكين تعريف الخوف في العصر الحديث؟ وما الذي يجعل رجلا يتقدم نحو ثلاثة مسلحين بسكين لا تقارع رصاصهم؟
لطالما حمل السكين ازدواجية لافتة: إنه أول أداة طوّع بها الإنسان الطبيعة، وأول سلاح حوّل به جسد الآخر إلى جريح. في التراث العربي، السكين ليس مجرد أداة قطع؛ إنه امتداد للإرادة. يقول الجاحظ في “البيان والتبيين”: “السيف عزّ، والسكين مكر”. أي أن السكين يحمل غدرا لا تحمله السيوف الظاهرة. وهو في التراث الصوفي أداة التضحية والانفصال، كما في قصة إبراهيم وابنه حين استبدل السكين بالكباش. وفي الأدب العربي، يتحول السكين إلى صورة متكررة: “سكاكين الحب” في الشعر العباسي، وسكين العشاق عند المتنبي حين قال:
يا أَخا السّكّين هلْ مِن ذكْر ميّا~~~~كلُّ ما فات فلَيس للظَّمآن
فالسكين هنا حنين وألم، وليس موتا. لكن كيف أصبح السكين “إرهابيا”؟
في حقبة ما قبل الحداثة، كانت السكين أداة اغتيال متواضعة: يطعن بها أحدهم آخر في مكان مظلم. لكن مع مطلع القرن الحادي والعشرين، وتحديدا مع تصاعد العمليات “ذات السكين” في أوروبا (من لندن إلى باريس إلى مرسيليا)، نكتشف تحولا دقيقا:
أوّلا: السكين لا يحتاج تدريبا، متوفر في كل مطبخ، من الصعب تعقبه –
ثانيا: السكين يُحدث رعبا “جسديا” مختلفا عن الرصاص. الرصاص يقتل من بعيد، أما السكين فيُظهر القرب، الاحتكاك، الدم – على اليدين، نظرة العين للعين.
ثالثا: السكين سلاح “فقير” يعبر عن حالة من التهميش المطلق؛ فالذي يقدم على دهس الناس بشاحنة أو تفجير حزام ناسف – لديه قدر من التنظيم، لكن صاحب السكين غالبا “ذئب منفرد”، مأزوم، تمزقه أسئلة الوجود ولا يجد لفظا يعبر بها سوى شفرة.
لماذا السكين الآن؟ يعيش الإنسان المعاصر في “حالة من اللحاق”: لا وقت للتأمل، ولا مساحة للموت البطيء. في مثل هذا العالم، يعيد السكين تعريف “الموت الحميمي”. في حين أن القنابل والصواريخ تقتل جماعيا، ونحن نشاهدها عبر الشاشات بلا تفاعل جسدي، فإن السكين يقتل واحدا واحدا، قريبا، شخصيا، مثل كابوس لا يُمكن إيقافه بالضغط على “تخطي الإعلان”. هذا ما جعل السكين، في عقود العولمة الأولى، يتحول من أداة قتل بدائية إلى رمز للاستباحة البيضاء: استباحة الحياة اليومية في مكان عادي، فجأة، في تأكيد درامي على هشاشة الشرط الاجتماعي.
نقول في العربية: “طعنة السكين لا تبرأ”. لكن اليوم، المجتمعات لا تعرف كيف تداوي جروحا بهذا النوع من الخوف. الخوف من سكين قد تطل من خلف زاوية في سوبرماركت أو في تقاطع طرق. لنعد قليلا, قارئي, لنفهم جذور هذه الأداة في منظومتنا القيمية. سنجد أن العرب قديما كرهوا “أهل السكين” وربطوهم بالغدر وخيانة الأمانة، بينما أكبروا “أهل السيف”. في المعلقات، لا تغنى السكاكين، بل السيوف والرماح. وهذا الفارق الأخلاقي لا يزال – بوعي أو بغير وعي – حاضرا في ضميرنا الجمعي. فما بالك حين يصبح السكين سلاح “إرهاب” بأحدث تعريفاته؟ إنه يفقد حتى ذلك البريق البدائي للشجاعة المقاتلة، ويصبح أداة لانعدام المروءة المطلقة: لا مواجهة، لا شرف، لا حتى هدف سوى القتل العاري. كيف وصلنا إلى هنا؟ إلى استباحة ؟الأبرياء

ربما السؤال الأصعب ليس “كيف يستخدم السكين في القتل؟” بل “كيف استبحنا الحياة؟”. في العقود الماضية، كان الإرهاب يملك (أو يدّعي) وجود قضية، مرجعية إيديولوجية، خطابا يبرر. ثم تحول إلى عبثية مميتة: يقتلون لأنهم تعلموا الاستباحة. صار القتل فعلا روتينيا، والسكين مجرد أداة وظيفية، والضحية مجرد عائق. هذا هو إرهاب الحداثة السائلة: لا فكرة، لا هدف، فقط موت ينتشر مثل عدوى. وهنا تكمن الفاجعة الفلسفية: المسافة بين “الإنسان الذي يستخدم سكينا ليقطع خبزا” و”الإنسان الذي يستخدم السكين ليقطع حنجرة إنسان آخر” هي ذاتها المسافة بين الحضارة والوحشية. لكن الوحشية اليوم لا تأتي بوجه عدائي واضح. إنها تأتي داخل المدينة، عند الثالثة عصرا، بجانب مفرغ النفايات، وبكل عفوية الحياة اليومية.
ما حدث في مرسيليا هو أرشيف محنة. شاب في الخامسة والعشرين، حياة لم تبدأ بعد، يتحول إلى جثّة بثلاث طلقات لأنه حمل سكينا وتقدم نحو ثلاثة رجال يرتدون زيا رسميا. لم نعُد نميّز بين الجاني والضحية بأدوات القياس القديمة: ربما كان بحاجة إلى دواء نفسي، ربما كان يمر بأزمة وجودية، ربما كانت مجرد لحظة جنون. لكن اليقين أن السكين اليوم ليس الأداة نفسها التي عرفها أجدادنا في أسواق العرب. صار السكين غطاء إعلاميا لانهيار أعمق: انهيار المعنى، انهيار الحوار، انهيار المسافة بين الرغبة في الموت والرغبة في القتل. وربما، قبل أن نبحث عن قوانين أكثر صرامة، نحتاج إلى استعادة شيء أساسي: كيف نعيد تعليم أنفسنا أن الحياة مسموح بها، وأن السكين يبقى أداة لا رسالة. لأنه في اليوم الذي يصبح فيه السكين لغة، تفقد الكلمات قيمتها، وتصبح الصحف مجرد نعوات تحت عنوان عريض.
📲 Partager sur WhatsApp