الصحراء: كندا تنضم إلى قافلة الحق والتاريخ

بقلم زكية لعروسي، باريس

في تطور دبلوماسي يحمل نكهة استثنائية، أشبه بنكهة “الزعفران المغربي الممزوج بعبق الصحراء الذهبي”، أعلنت كندا رسميا اعترافها بأن مقترح الحكم الذاتي الذي قدمه المغرب هو “الأساس الجاد والموثوق” لتسوية قضية الصحراء الغربية. هذا الموقف الذي أعلنته وزيرة الدفاع الكندية أنيتا أناند، خلال اتصال هاتفي مع نظيرها المغربي ناصر بوريطة هو تحول استراتيجي يعيد تشكيل معادلات القوة في المنطقة.

لطالما كانت كندا نموذجا في الاعتدال الدبلوماسي، وهذا الموقف الجديد يُظهر النضج السياسي الذي يميز أوتاوا. فالاعتراف الكندي يأتي في توقيت دقيق، حيث تتسارع الاعترافات الدولية بالسيادة المغربية على صحرائه، من واشنطن إلى باريس، ومن مدريد إلى برلين، والآن أوتاوا تنضم إلى قافلة الحق. الوزيرة أناند لم تتردد في التأكيد على “أهمية التوصل إلى تسوية عادلة ومستدامة ومقبولة للجميع، وفقا لمبادئ ميثاق الأمم المتحدة”، وهذا هو جوهر الموقف المغربي: حل سياسي واقعي، تحت السيادة المغربية، مع حكم ذاتي موسع لأبناء الصحراء.

الدبلوماسية الملكية، التي حوّلت القناعة المغربية إلى إجماع دولي متنام، يجني اليوم ثمار استراتيجية ذكية قائمة على الحوار البناء، والثبات على المبادئ، والانفتاح على الحلول العملية. إنه نموذج للدبلوماسية المغربية التي لا تنتظر أن يُعترف بها، بل تُبدع مساحات جديدة من الاعتراف.

هذا التطور الكندي هو بمثابة إشعاع أخضر لدول أخرى لا تزال مترددة. فالاعترافات المتتالية تُظهر أن نزاع الصحراء لم يعد نزاعاًعلى تقرير المصير بقدر ما أصبح اختبارا للانحياز إلى السلام والاستقرار، ضد التقسيم والجمود. جبهة البوليساريو، التي راهنت لعقود على وهم الانفصال، تجد نفسها اليوم في عزلة تاريخية، بينما المغرب يبني جسورا من الدبلوماسية الفائقة النكهة، التي تمزج بين الحسم المولوي النبيل، والمرونة العصرية.

كندا، التي تسبق أوروبا أحيانا في الجرأة الأخلاقية، تفتح الباب أمام حلفائها في الناتو وفي الكومنولث لتحذو حذوها. السؤال الآن ليس “متى تعترف بقية الدول؟” بل “من يكون التالي؟”. مؤشرات كثيرة توحي بأن المملكة المتحدة وإسبانيا ستعززان مواقفهما، وأن الاتحاد الأوروبي بكامله سيجد نفسه مضطرا للتعامل مع واقع جغرافي سياسي لا يقبل التأويل.

قبل عقد من الزمن، كان الحديث عن اعتراف كندا بالسيادة المغربية يبدو أشبه بالخيال العلمي السياسي. اليوم، أصبح حقيقة تُكتب بالذهب الأسود على جدران العلاقات الدولية. هذا ليس فوزا للمغرب وحده،إنّما فوز لمنطق العقل والواقعية التاريخية على منطق التشبث بالأوهام القومية البالية. المغرب لم ينتظر الهبات الدبلوماسية، بل عمل بصمت وصبر وحكمة، حتى بات الاعتراف بسيادته أمرا حتميا لا مفر منه. والصحراء المغربية، بفضاءاتها الشاسعة وذاكرتها العميقة، تنتظر الآن المزيد من الاعترافات التي لا تتوقف… فمن يلي كندا؟

📲 Partager sur WhatsApp

One thought on “الصحراء: كندا تنضم إلى قافلة الحق والتاريخ

  1. القطار الدولي انطلق في اتجاه الصحراء المغربية منذ التوقيع الامريكي على مقترح المغرب، وازداد سرعته مع القرار الانمي الأخير.
    كنت قد سافرت الى الداخلة 2025. ولما زرت الكاتبان الرملية المسماة Dunes blanches خيل إلي انني في عالم فردوسي، وقلت من أجل هذه الجنة، قاتلت الدولة المغربية والشعب بكامله، بموقف واحد ، طيلة نصف قرن من الصبر والمثابرة والحديقة. ما جعل المتأخرين عن الركب يسرعون من وقت الالتحاق بالحق التاريخي لهذا البلد الشامخ.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *