في ما وراء تحرّك واشنطن بملف الصحراء

بقلم زكية لعروسي, باريس

لقد ورد في جون أفريك أن واشنطن لجأت في الأسابيع الأخيرة إلى الاستماع مجددا إلى السفيرة الأمريكية السابقة بالجزائر، في سياق مشاورات متصلة بملف الصحراء. وقد يبدو الخبر، في ظاهره، مجرد تفصيل تقني في روتين الدبلوماسية. غير أن القراءة المتأنية تكشف أنه أقرب إلى إشارة زلزالية خفيفة تحت سطح نظام إقليمي متعب: اهتزاز لا يرى بالعين، لكنه يُنبئ بإعادة تشكّل الطبقات العميقة. في السياسة الدولية، لا يستدعى الماضي إلا عندما يعجز الحاضر عن تفسير نفسه.

ليست الصحراء مجرد امتداد ترابي يُتنازع عليه، بل هي -في جوهرها- سؤال عن معنى السيادة في زمن متغير.
لقد ولد النزاع في عالم كانت فيه المفاهيم صلبة، تُقسم بين حق تقرير المصير ووحدة التراب، كما تُقسم الخريطة بين لونين متقابلين. غير أن العالم اليوم لم يعد يحتمل هذه الثنائية البسيطة. الصحراء، بهذا المعنى، لم تعد مشكلة حدود، بل أصبحت مفارقة تاريخية: نص سياسي كتب بلغة القرن العشرين، ويطلب منه أن يعمل في قواعد القرن الحادي والعشرين. التحرك الأمريكي، كما تعكسه المعطيات، لا يسعى إلى إنتاج حلّ جاهز، بل إلى إعادة ترتيب شروط التفكير في الحل.
فالولايات المتحدة، التي راكمت تجارب التدخل المباشر، تبدو اليوم أكثر ميلا إلى ما يمكن تسميته بـ”هندسة الممكن”:
خلق توازنات تجعل بعض الحلول تفرض نفسها بوصفها الأكثر عقلانية، لا الأكثر مثالية.

استدعاء ذاكرة دبلوماسية عملت في الجزائر تحديدا، ليس تفصيلا بريئا. إنه اعتراف ضمني بأن مفتاح التحريك هو في كيفية تفكيك جمود الموقف الجزائري. وهنا تبدأ المفارقة الكبرى: حين يتحول “الوسيط” إلى من يبحث عن كيفية إقناع طرف ثالث، فهذا يعني أن الإطار العام للحل قد استقر سلفا. النزاع اليوم لا يدور فقط حول الأرض، بل حول من يملك تعريف الزمن السياسي.

هناك سردية ترى أن التاريخ يجب أن يستعاد كما هو، وأن الحل يكمن في إعادة إنتاج لحظة ماضية بصيغتها الأصلية. وفي المقابل، تبرز سردية أخرى تقترح أن التاريخ نفسه مادة قابلة لإعادة التأويل، وأن الحل يكمن في تدبير الحاضر بما يضمن المستقبل. الأولى تُشبه من يقرأ خريطة قديمة في مدينة تغيّرت شوارعها. أما الثانية، فتسير في المدينة ذاتها، لكنها تعيد رسم الخريطة أثناء السير.

في هذا السياق، تتبدى المقاربة المغربية كنوع من البراغماتية المتخيّلة: ليست مجرد حسابات سياسية، بل قدرة على إعادة تخيّل الصحراء نفسها. بدل أن تبقى الصحراء هامشا جغرافيا، جرى تقديمها كـمركز محتمل:

– بوابة نحو إفريقيا

– فضاء للاستثمار الطاقي واللوجستي

– حلقة وصل بين الأطلسي والعمق القاري

هنا، لا يعود النقاش حول “من يملك الأرض”، بل حول “من يجعل الأرض قابلة للحياة”. وهذا التحول بالغ الذكاء، لأنه ينقل الصراع من مستوى الشرعية المجردة إلى مستوى الفعالية الملموسة.

في المقابل، تبدو المقاربة الجزائرية محكومة بثقل تاريخي يصعب الفكاك منه. فهي تستند إلى مفاهيم اكتسبت مشروعيتها في زمن سابق، لكنها تواجه اليوم واقعا أكثر تعقيدا. ليست المشكلة في قوة هذه المفاهيم، بل في صلابتها:
إذ تتحول، مع الزمن، من أدوات للفهم إلى حدود للفعل. وكأن الجزائر تقف أمام الصحراء لا كمسألة جيوسياسية، بل كمرآة لذاكرة لم تكتمل بعد. في خلفية كل ذلك، يعمل الزمن بصمت, وكقوة تعيد توزيع المعنى:

– من يبني، يراكم الشرعية

– من ينتظر، يراكم الاحتمال

وبين التراكمين، تتحدد ملامح الغلبة دون إعلان.

ما تكشفه هذه التطورات ليس اقتراب حلّ نهائي، بل اقتراب تحوّل في طريقة إنتاج الحلول. فالعالم لم يعد يبحث عن تسويات مثالية، بل عن صيغ قابلة للاستمرار. في هذا السياق، تبرز المقاربات التي: تستوعب التعقيد بدل إنكاره, وتحوّل النزاع إلى مشروع تدبير، لا مجرد ملف سياسي. وهنا تحديدا، حيث يلتقي الممكن بالضروري، لا ينتصر من يرفع صوته أكثر، بل من يجعل فكرته تبدو -بهدوء- الخيار الوحيد المعقول. ومن تلك الزاوية، لا تعود الصحراء مجرد نزاع ينتظر حلا، بل تتحول إلى أفق يعاد تشكيله… خطوة بعد أخرى، كما ترسم الواحات في قلب الريح.

📲 Partager sur WhatsApp

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *