مملكة الأطعمة المسحورة: في زمن الرقائق والقلق

بقلم زكية لعروسي، باريس

في قاع المدينة التي تبتلع نفسها كل يوم، ثمة مختبرات لا تراها العيون. لا دخان فيها ولا نار، بل أنابيب زجاجية تتقطر منها ألوان لا وجود لها في الطبيعة. هنا، يفكّك الخبز إلى أشباحه، وتُجرد الطماطم من روحها، ثم تعيد كيمياء غريبة تركيبها على هيئة شيء له لون الطعام ورائحته، لكنه ليس طعاما. إنها مملكة الأطعمة فائقة التصنيع. تلك المملكة التي أعلن عنها باحثو موناش الأستراليون. قالوا: إن زادك منها ولو عُشرا واحدا -أي رقائق بحجم راحة يد طفل- فإن عقلك يبدأ بالتلاشي. ينحتون منه قطعة قطعة. ويسمون ذلك “الخرف”. أما أنا فأسميه: الموت البطيء للانتباه.

تصور قارئي, كلما ازدادت رقائق البطاطس في فمك بمقدار عُشر، ازداد مؤشر الخطر 0.24 نقطة. إنه عقد شيطاني: تأكل قليلا من السعادة الزائفة، وتدفع بقليل من ذاكرتك. أليست هذه صفقة إبليس الشهيرة؟ إنك تبادل الجوهر بـ الظل. لكن الأدهى: حتى لو جلست تأكل الخضروات الورقية وتتلو تعويذة النظام الغذائي المتوسطي، لو تسللت شِيبْسَة واحدة خلف ظهرك -بفضل هذه الحياة المجنونة- فالعقوبة واحدة. لماذا؟ لأن الشر لا يكمن في الطعام البديل، بل في فعل التحويل نفسه. إنهم يحولون القمح إلى غبار كيميائي، ثم يعجنونه بالأصفر رقم 5 وغلوتامات الصوديوم. يقولون: “ها هو خبزك”. لكن آباؤنا الأولون كانوا سيهتفون من قبورهم: “هذه مزحة سيئة! هذا قبر مطلي بالألوان!”

وهنا، أيها القارئ العزيز، تأخذني يدي إلى قريتنا الصغيرة “الطرشة” في طفولتنا. ليس طفولتي أنا فقط، بل طفولة الزمن الجميل. البيت الريفي. أمي تمسك بغصن زيتون. جدي يقطع رغيف خبز بسكين خشبية. الرائحة: زيت زيتون، زعتر، ونعناع بري. لم تكن تلك “مواد غذائية”؛ بل كانت طقوس هبوط الروح إلى الجسد. لم نكن نعرف السعادة الاصطناعية. كانت الحلاوة من التين، والحموضة من العنب غير الناضج، والملوحة من دموع أمي حين كانت تخلط الملح بالزعتر. لم تكن هناك حاجة للبحث عن “تركيز” أو “انتباه”، لأننا لم نكن نعرف نقيضهما: التشتت. كان ثمة وقت للتفاحة، ووقت للنملة التي تأكل منها، ووقت للحجر الذي يجلس عليه الطفل ليتأمل السحاب. أليست هذه روضة الفكر الأولى؟

لكن العولمة أتت. أنجبت لنا “الشاشات التيلفونية”. وتضاءلت أعمار أولئك الذين يجلسون على الحجر. اليوم، يريد الرجل أن يأكل البؤبؤ بعينيه على “تيك توك”، بينما يدرس أطفاله عبر “زووم”، بينما يتنهد العاشقان عبر “واتساب”. وفي خضم هذا الانقسام الذي يليق بمسرحية “الجريمة والعقاب” العبثية، ماذا يأكلون؟ رقائق. مشروبات غازية. لحم أعيد تشكيله في المختبر. ثم نتفاجأ بأن الدماغ يتناقص؟ إن الدماغ الذي يُطلب منه أن يُقسّم انتباهه إلى سبع شاشات، ويُغذّى بالصبغات والمستحلبات، ليس سوى فقير ورث مكتبة فخمة ثم أحرقها ليتدفأ. لا تطلبوا منه الحكمة.

هل نحن بحاجة حقا لهذه المواد “لنصاب بالنبوءة”؟ لعله السؤال الأعمق. لا. فالنبوءة الحقيقية تكمن في أنني أرى وجوها حولي -وجوه شبابية- تحمل عيونا ذابلة كأنها شاشات موفرة للطاقة. يتكلمون بسرعة مشوشة، يضحكون من غير سبب، ينسون ما قالوه قبل دقيقة. إنهم ليسوا مصابين بالخرف بعد، لكنهم يتدربون عليه بامتياز. أليس هذا العصر هو عصر “تشرعن القلق” كما سميته؟ كل شيء مرخص قانونيا: القلق من الحرب، القلق من المناخ، القلق من الوحدة، القلق من الطعام نفسه. وفي خضم هذا القلق النظامي، نبتلع “أطعمة الراحة” التي أعدتها لنا شركات عملاقة قررت، قبل أن نقرر نحن، أن المخ سيكون هدفها التالي.

غير أن النافذة تبقى مفتوحة. يقول الأطباء الأستراليون: التأثير قابل للعكس. استبدل القمامة الملكية بالطعام العادي لمدة خمس سنين، وسينخفض خطرك بنسبة 12%. لمدة عشر، بنسبة 11%. إذن، إن الأبواب لم تغلق بعد. فالروح التي فسدت على يد الأطعمة المسحورة يمكنها أن تتعافى. لكن الدواء ليس فقط في استبدال رقائق البطاطس بالتفاح. الدواء في أن تعود إلى حالة الطفولة التي تسبق الشاشات والتيلفونات. أن تعود إلى: المائدة المشتركة حيث أنت جالس مع أناس حقيقيين. حيث يظهر الخبز ساخنا، وتقطف الخضرة من أرض الجيران. أن تعود إلى بساطة كان فيها الطعام “وجبة” لا “تسويقا غذائيا”، وكان فيها الجوع حاجة، لا دعاية لشركة ما.

أيها القراء الكرام: لقد سمموا طعامنا ليمسّوا أذهاننا، وسمّموا أذهاننا ليقنعونا بأن السم طعام. لكن ثمة باب خلفي يفضي إلى حقل زيتون وطفولة خالدة. اخلع نعليك قبل أن تدخل. فما على الأرض المقدسة للذاكرة والتركيز أن تطأه نعال البلاستيك والرقائق المقلية. آمين. وهكذا فلننه هذه الرواية القصيرة قبل أن نصاب بالخرف.

📲 Partager sur WhatsApp

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *