زنبق الوادي… زهرة تصافح الموت

بقلم زكية لعروسي, باريس

في صباح اليوم العالمي للعمل تهدى زهرة زنبق الوادي كما لو أنها رسالة ودّ بيضاء، جرس صغير يرنّ في يد الربيع، ويهمس: الحظ قادم. لكن ما لا يقال-أو يُقال بخفّة- أن هذه الأجراس نفسها قد تكون آخر ما يسمعه قلب صغير للكلب أو القط قبل أن يختلّ إيقاعه. ليست المشكلة في الزهرة،بل في سوء فهمها. نحن، كبشر، نحبّ أن نزيّن الخطر. نغلفه بالعطر، نضعه في مزهرية شفافة، وننسى أن الطبيعة لا تعترف بالجمال كبراءة.

زنبق الوادي لا يحمل سُمّه كنية سيئة، بل كجزء من لغته. في داخله، ترقد مركّبات صامتة -هتيروسيدات قلبية- تعرف طريقها بدقة إلى العضلة التي لا تتوقف: القلب. المشهد يتكرر كل عام، كطقس خفي مواز للاحتفال: قطّ يقترب بدافع الفضول، يلامس ورقة، أو يختبر الماء الذي “تعطّر” بالزهرة. كلب يشرب من المزهرية، ظنا منه أنه وجد ربيعا سائلا. ثم…شيء غير مرئي يبدأ.

ليس ألما فجائيا، بل خللا في الإيقاع. الجسد لا ينهار مباشرة، بل يتعثّر أولا: قيء، لعاب زائد، ارتباك في الحركة، كما لو أن الجسد لم يعد يتذكر نفسه. وبعدها…يصل السم إلى حيث يجب أن يصل: القلب. وهناك، لا تحتاج الطبيعة إلى عنف، يكفيها أن تغيّر النبض قليلا. المفارقة ليست بيولوجية فقط، بل ثقافية. كيف تحوّلت زهرة سامة إلى رمز للحظ؟ ربما لأن الإنسان، في رغبته القديمة في السيطرة على العالم، قرّر أن يعيد تسمية الأشياء بدل أن يفهمها. نسمّي الخطر “هدية”، والسمّ “عطرا”، ثم نتفاجأ حين يتصرّف الواقع وفق طبيعته، لا وفق تسميتنا له.

الأطباء البيطريون- مثل أولئك في 3115 في مستعجلات طب الحيوانات- لا يتعاملون مع الفكرة، بل مع نتيجتها: أجساد صغيرة تدخل في سباق مع الزمن، في غياب تام لأي ترياق. هنا، لا توجد معجزة طبية، فقط محاولة يائسة لتخفيف ما يمكن تخفيفه. ربما السؤال الأهم ليس: لماذا ألم زنبق الوادي سام؟بل: لماذا نصرّ نحن على نسيان ذلك كل عام؟ هل لأن الذاكرة قصيرة؟
أم لأننا نحبّ أن نصدّق أن الجمال لا يؤذي؟

الزهرة لا تخون أحدا هي كما هي: جميلة… وسامة. لكن الخيانة الحقيقية تحدث حين نضعها في متناول كائن لا يعرف أن الأجراس التي يراها لا تُنذر بالفرح دائما. أحيانا…تعلن نهاية صامتة. في الأول من مايو، ربما لا نحتاج أن نتوقف عن إهداء الزهور، بل فقط أن نتعلم كيف نحمي من لا يقرأ رموزنا. أن نضع الجمال بعيدا قليلا، عن فضول بريء قد لا ينجو من تأويله.

📲 Partager sur WhatsApp

One thought on “زنبق الوادي… زهرة تصافح الموت

  1. رمز الفارمكون هو الحية، ذلك لأن السم في كثير من الأحيان ترياق. وكل وردة محروسة بالشوك. وكل من بلغ التقاعد يفتقد فاتح ماي كل معنى وقيمة، لأن الدولة والمجتمع، كما ذهب جيل دلوز، te lachent.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *