أعمر بن حمّوش شاعر الخلع الكبير

بقلم: رئيسة هيئة التحرير : زكية لعروسي

(مقامات الشتات أو كيف يصنع القبائلي جحيما من الكلمات)

ليس سهلا أن تأتي من جبال “أقبو” حيث تصهل النوارس البربرية، وتحمل على كتفيك سم “يوغرطة” وضفيرة “دهيا”، ثم تقف في صالونات باريس الرمادية لتصرخ: “حبّي وثورتي زيتونة، وأنا غصنها المكسور”. ولكن أعمر بن حمّوش يفعلها. لا بصفته “طبيبا نفسيا” – فهذه مهنة الموتى أحياء- ولا بصفته صحفيا – وهي وظيفة صانعي الأكفان بالحبر – بل بصفته شاعرا خالعا للنظام. شاعرا يكتب بالدم الذي لم يمت، وبالروح التي تجلدت في معارك الأهل وملاهي اللغة.

هذا الديوان الأول، “حمّام خمر تحت الزيتونة” (الذي قامت بترجمته أروى بن ضياء)، ليس كتابا. إنه مذبحة طقسية. يدخلك إليه كما يدخلون إلى ضيعة مسكونة: تجد أنفاس “شارل بودلير” مختلطة برائحة زيت “آيت منقلات”، وتهويمات “الحلاج” تتمايل مع رقصات “طوم وايتس”. إنه سفر التكوين مقلوبا على رأسه: تقول السماء؟ كلا. يقول الجسد. يقول النشيد؟ كلا. يقول المواربة.

أمازيغي من شمال إفريقيا، واحد من الشعراء القلائل في المهجر الذين يمارسون على اللغة العربية ما يشبه الاغتصاب العارف. يفتحها، لا ليباح فيها، بل ليجعلها تلد كائنات عجيبة. يستحضر “وليم فوكنر” و”كاتب ياسين” في نفس الزفرة. يجعل “آدم سميث” جثة على طاولة الكاباريه. لكنه لا يشرح. هو يعربد. لغته ليست عربية. إنها نار جنة. تأتيك الجملة قصيرة كصفعة صوفي: “اسجدوا ولا تفكروا”. ثم تنسل طويلة كسجدة خمرية: “أريد أن أكون قطرة ماء في حوض استحمامك، لأمسح جسدك الرشيق، وأتوه بين الزيتون والنخيل”.

يذكرك هذا بالكردي العظيم سليم بركات، حين يكتب “فقه الظلال” أو “السبعينيات”. نفس الهوس بالتفصيل الأسطوري، نفس الإيغال في التيه حتى تصبح الجملة “كاهنا” لا أداة. لكن بن حمّوش يضيف إليها شيئا قبائليا صرفا: الحزن الذي لا يبكي. والإصرار على تحويل المقدس إلى حانة.

في زاوية مظلمة من مسرح “شاتليه”، جلسنا إليه. كان أمرا مخيفا: هذا الرجل الذي يكتب كأنه يقطع شرايينه، بدا هادئا لحد الصمت. طرحت عليه أسئلة تستفز الموتى، فتحركوا.

السؤال الأول:

 (لأن القراء يريدون الريشة لا الريش): أنت لست شاعرا تقليديا. لغتك لا تشبه أحدا. هناك عنف صوري هائل. من أين تعلمت أن تكتب هكذا؟ وهل هذا الخروج عن المألوف هو انتقام من العربية الفصحى لأنها لغة “السلطان” كما يعتقد بعض الأمازيغ؟

جواب بن حمّوش (بصوت كأنه الحصى تحت النعل): 

أنا لا أنتقم من لغة. أنا أنتشي بها. الفصحى ليست سلطانا، الفصحى عندي هي خمرة والدي. أنا ورثت من أبي “عمار” – الذي كان يقرأ وحده، في قرية فلاحية، ويقاتل من أجل الأمازيغية – أن الأدوات كلها تصلح للثورة. لغتي هي مزبلة مقدسة: أضع فيها الميتافيزيقا وعاهرات باريس وقنابل الطائرات وزيت الزيتون. أنا أكتب بالدم والروح لأنني لا أثق بالحبر وحده. وهذا ليس “ريشة” جديدة. هذه هي الريشة الوحيدة الممكنة بعد موت النخب.”

السؤال الثاني:

 أنت تستحضر دائما الأنثى. أحيانا هي حبيبة، وأحيانا أرض، وأحيانا عاملة في المصنع. وأحيانا… عاهرة في قصيدة “أنا بينكم”. لماذا هذا الهوس؟ وهل الأنثى عندك هي “الثورة” أم هي “الجسد المحرر” من عقدة الحجاب؟

جواب بن حمّوش (يضحك، ثم يكشر): 

لأن أمي لم ترقص في الشارع. لأن شوارعنا تحولت إلى مساجد رمادية. أنا لا أمجد الأنثى، أنا أصنع منها كعبة جديدة. قالوا لي: “أسجد لله”، قلت: “أنا أسجد لشهوتها ولحزنها معا”. الأنثى عندي هي الفقر المدقع الذي يبتسم. هي ديھيا التي قاتلت، وهي العاهرة التي بكيت معها باكيا. لا ثورة بدون مهبل. ولا حرية بدون أن تخلع الأنثى خوفها أمام الجامع الكبير. هل هذا فحش؟ كلا. هذا إنجيل جديد لا يصلح إلا لشاعر من المهجر لا يملك ما يخسره سوى خمره وزيتونته.

السؤال الثالث

حدّـثتني عن والدك شاعرنا أعمر…الرجل الذي علّمك كيف تقرأ وتقاتل، في بيئة فلاحية كانت تناقش السياسة في الأعراس والجنازات. أين تجد أثر هذا الأب في “حمّام الخمر”؟

جواب بن حمّوش (صامتا طويلا، ثم يهمس):

والدي كان أوتوديداكت كل كلمة تعلمها كانت معركة. تجد أثره في كل سطر لا يسجد. في كل لحظة أرفض فيها أن أكون “مجرد قارئ” لأصبح فاعلا. ديواني هو بيان عسكري ضد المدارس التي قتلت الخيال وضد المساجد التي قتلت الجسد. والدي يقرأني الآن من قبره، وأنا متأكد أنه يقول: “أحسنت يا ابني، لقد حولت الفلاحة إلى دمار شعري”.

السؤال الرابع:

 أحيانا تجعل القارئ يرتجف. أنت تخاطب “ليلتي التي تطاردني” وتسألها لماذا تريد إسكاتك. وفي قصيدة أخرى تقول: “لا أخاف الثورة، لا أخاف الموت، ولا أخاف الحب”. هل هذا تهور؟ أم إيمان شعري بمستحيل لا نفهمه؟

جواب بن حمّوش (قاطعا): 

لا أخاف شيئا لأنني ميت أصلا. من يراقص الموت كل يوم في باريس الباردة، ويحلم بأتربة الكاف والإبل المصلوبة على بوابة الأورو، يصبح عديم الخوف. شعري هو صلاة الملحد المتعطش لمخلّص. المخلّص عندي ليس عيسى ولا مهديا. المخلّص عندي هي قصيدة تكسر نافذة في قصر السلطان وباب المسجد وجدار المصنع في آن.

 أعمر بن حمّوش ليس مجرد اسم جديد. إنه عيب في جسد الشعر العربي المعاصر. عيب لن تشفى منه المجامع النقدية ولا جوائز “البوكر”. إنه من تلك الأصوات القليلة جدا في المهجر (أقل من أصابع اليد الواحدة) التي تمتلك الجرأة على تحويل اللغة العربية من مسجد إلى عرين. من نص تعريفي إلى طقس جنوني.

هذا الشاعر القبائلي، الذي بدأ من “أقبو” حيث يصنع الفلاحون الشعر جنبا إلى جنب مع الخبز، استطاع أن يثبت أنه لا يحتاج إلى براءة اختراع ليكون “شاعرا كبيرا”. كل ما يحتاجه، هو قارئ يجرؤ على ترك عاداته الأخلاقية خارج الباب، وأن يدخل إلى “حمّام الخمر تحت الزيتونة” ليشرب من نبيذ لا يقدمه الراقصون في مهرجانات الشعر الخشبية.

تتداخل في ديوان “حمّام خمر تحت الزيتونة”  صور تنتمي إلى حلم كثيف: الطائرات تتحول إلى حمّامات سلام، القنابل تفوح عطرا  الجسد يصبح صلاة، والصلاة تنقلب عشقا. كل شيء في حالة تحوّل دائم، كأن الشاعر يرفض ثبات المعنى كما يرفض ثبات الظلم، ويصرّ على إعادة تشكيل العالم عبر اللغة، لا عبر الواقع. ومن بين هذه التحولات، ينهض السؤال الأكثر قسوة، والأكثر صدقا: هل الشعر قادر على تغيير العالم، أم أننا كشعراء. نكتب لأننا نعرف، في قرارة أنفسنا، أنه لن يتغير؟

هذا المقال ليس قراءة نقدية، بل مواجهة جمالية وفكرية مع شاعر يكتب كما لو أن كل قصيدة هي فرصته الأخيرة لقول ما لايُقال. شاعر من القلة النادرة في المهجر، لم يكتف بتذوق اللغة، بل جعلها ترتجف، تتصدع، وتعيد تعريف نفسها من خلاله. أعمر بن حمّوش لا يكتب القصيدة…بل يضعها في حالة خطر دائم.

كتابتي هذه عن هذا الشاعر اعتراف بالهزيمة أمام لغته. أن يكتب أمازيغي من شمال إفريقيا من الجبال هكذا، بكل هذا الفجور الساحر، فهذا يعني أن العربية ما زالت بخير. بخير الجحيم. بعد قراءة الديوان، لن تخرج قارئي العزيز سالما. ستخرج وعلامات أصابع الشاعر حمراء على عنقك…فإذا كان قلبك حساسا أو لحيتك طويلة أو نقابتك الأكاديمية ثقيلة، فلا تقترب من هذا الديوان. أما إذا كنت تبحث عن الله في قعر الزيتونة وجنس الحروف، فتفضل. عمار بن حمّوش في انتظارك.

📲 Partager sur WhatsApp

3 thoughts on “أعمر بن حمّوش شاعر الخلع الكبير

  1. ما يمكنني مقاربته في هذا المقال: وكأنك في قلب عش” الرزوزي”. هيأت نفسك بما فيه الكفاية، قبل ولوج عالم كتابة وقح، لأنه مشيد بكتابة من خارج منطقة القصيدة. الوقاحة هنا من خارج عالم الأخلاق ، انها جرأة في الكتابة بكيفية أخرى.، خارج المألوف من القول المشكوك. …
    لو كان بيدي مسرح الثورة هذا الديوان،سأكون من أسعد الناس.

  2. قراءتك لديوان “حمام خمر تحت الزيتونة” جميل بتضاداته و صوره الشعرية، ولدته دون اغتصاب اللغة. بل بالعكس جعلت اللغة تنجب بطواعية و هي تزغد للعشق الممنوع. متعة.🎉👏🏻👏🏻👏🏻

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *