فيروز ندّ القلوب والعروبة

رئيسة تحرير الورقاء د. زكية لعروسي

فيروز، امرأة تغني. مدى يضيق بنا فنلتفّ حوله كجدران كنيسة قديمة، أو كحارات بيروت قبل أن تتعلم الحجارة كيف تموت واقفة. سألوني الناس: ماذا بقي من الكلمة بعد درويش؟قلت لحن فيروز, وحرف سليم…بعدها لم أتكلم. لا لأنني لست بخير , بل لأن فيروز لا زالت هنا…اليتم ليس من فقد أباه، بل من فقد عنفوان الصوت الذي كان يقيم في حنجرته وطنا. فيروز: ليست مغنية، بل نذرا.

فيروز، وهي تغني لليل القدس، تعيد خلق الزمن العثماني كأنه لم يمر”. تلبس الطين الفلسطينيّ ثوبا، وتتوشح بغبار الجولان إزارا، وتربت على كتف الأردن كأنه أخوها الذي لم يقسم. كلما غنت, سافرت معها الأصابع العربية إلى كلّ المنافى، حين ترفع كفّها في “زِهرةِ المدائن” لا لتدعوَ، بل لتأمر الحجارة أن تنبت زيتونا. إنّها زهد حضاري في زمن تبرّجت فيه الأصوات بالتشظي. غنّت للصليب في كنائس لم يبلغها الهدم، وللهلال في جوامع لم يصادرْها التكفير، وللأرز في جبال كتبت على جبين لبنان وصية: “أنت الجدار، ونحن الطلقة التي لن تصيب قلبك أبدا.”

رحل درويش، فأصبحت القصيدة عمياء تتلمس قافية بين أنقاض غزة. منذ لم تغنّ فيروز، أصبح اللحن أصمّ يضبط نغمة الدنيا على صوت صاروخ يهذي. الكلمة صارت قطرة مطر على جفن من نسي أنّ دمشق كانت حنجرة. اللحن تحوّل إلى خريطة لمملكة اندثرت، يشير إليها الجغرافيّ فيقول: “هنا , في حنجرة فيروز, يسمع صوت الوطن، قبل أن يعلِّمنا الاحتلال أنّ الوطن نتوء جيولوجيّ يزال بالجرّافة.”

الصوت هاجر إلى حنجرة طائر طليق، يزعمون أنه لا يزال يغنّي في قبر أمّ كلثوم، ولكن دون رئة تستوعب الريح العربية.الحضور تحول إلى عكازيْن: درويش يحمل القصيدة على كتف اليتم، وفيروز تمسك بالنوتة الموسيقية كأنها رحى طحنت تاريخا، ثم ألقت به في مهبّ “صفقة القرن”. ليس عجيبا أن تغيب فيروز عن خشبة الغناء، بل العجيب أنها حضرت كلّ هذه السنوات في زمن كانت فيه الأصوات العربية تستأجر حناجرها من شركات إنتاج الذلّ. كانت هي الاستثناء الذي أثبت القاعدة: أنّ العروبة ليست جنيهات، بل نغمة لا تحتمل الترتيل الوهابيّ ولا الطرب الخليجي ولا المواويل العباسية المعاد تدويرها.

راهبة تركت الدير… لا لأنها كفرت، بل لأن المصلين نسوا كيف يصلَّى للوطن إلا بخشوع ندائها. صارت الآن أيقونة في متحف الغياب العربي، بجانب “الأندلس” التي نرثيها كلّ عام، و”فلسطين” التي نقيم لها مآتم الشعر ثم نعود لبيع هويتها . في رواية “الأخوة كارامازوف”، يقول الأب زوسيما: “الناس يخافون من الخطيئة لأنهم يخافون العقاب، أما القديسون فيخافون من الخطيئة لأنهم يرون الله في كلّ ذرة” فيروز قديسة النغمة العربية، لم تكن تخاف من الاحتلال كما نخاف، بل كانت ترى في صوتها ما هو أقدس من دبابة: مجرد أنّ العربيّ لا يزال يحلم.

تبقى الذبّالة تحكي للزيت أنّ المصباح قد ينطفأ، لكن الظلّ يبقى مرسوما على الحائط كوشم قبيلة اندثرت، يزعم الأحياء أنهم هم القبيلة، غير أنهم لا يتقنون إلا رثاء أنفسهم بأصوات منغ ابوا. “فيروز لن تموت يوما. لقد تعبت من أن تكون الوحيدة التي لا تزال تغني عربية، في زمن صار فيه كلّ عربيّ يردد نشيده الوطنيّ أمام مرآته الخاصة، ثم يخرج ليبيع الوطن بثمن بخس .

رحم الله درويش الذي قال: “على هذه الأرض ما يستحقّ الحياة”، ورحم الله فيروز حية لأنّها جعلتنا نعتقد للحظة أنّ الحياة تستحقّ أن نغنّيها ولو مرة. أما الآن، فليغني لنا الغياب نفسه: “نحن يتامى، لأن فيروز غابت عن المسرح الذي امتلأ بالحناجر المستأجرة.” على ورق يقطر أسى، وأرسله إلى العالم كخبر لا يصدقونه: “إذا انطفأت فيروز ,سترحل العروبة في حنجرة امرأة كانت تعرف أين تضع الضمير “نحن” في جملة لا مفعول لها بعد الرحيل.”

📲 Partager sur WhatsApp

One thought on “فيروز ندّ القلوب والعروبة

  1. اعتبر هذه الشامخة، فيروز، من عباقرة أصدقاء الأرض والسلام والسكينة. وافتقادها خسارة أخرى للقوى التي تحرر نداء الوجود، لتمنح الإقامة على كوكب الارض، السلام والسكينة، وعلى رأس ذلك الفن الغناءي والإنشاد. نتمنى لها مزيدا من الصحة ليستمر شدى الألحان متيقظا، في هذا الزمن الضنين، الزمن الذي أتى على الحجر والشجر والطيور والاطفال…ليحول الحياة جحيما، في أرض السلام….

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *