بوتين : سيكولوجية القوة ونظرية العدو الصديق

بقلم زكية لعروسي، باريس

بين لحظة وأخرى، يطل علينا فلاديمير بوتين من نافذة التاريخ التي لا يفتحها إلا لمن يستحق. ذلك الرجل الذي سلح “الصمت” وجعله خطابا، وعبّأ “الانتظار” وجعله استراتيجية، يعود اليوم ليخطف الأضواء من أوكرانيا المحترقة، ويضع يده على نبض العالم من طهران إلى واشنطن.

ففي اتصال هاتفي دام 90 دقيقة، لم يكن مجرد تحديث للرصد، بل كان درساً في هندسة التوازنات وفق مقاس القيصر الروسي. بوتين، الذي خرب أوكرانيا كما يقول خصومه، أو حرّرها من الناتو كما يردد أنصاره، أصبح فجأة الحكيم الذي يحذر ولا يهدد، والوسيط الذي ينصح ولا يفرض. سبحان من سخر هذا العقل البوتيني ليكون في كل مرة “الرجل المناسب في التوقيت المناسب”.

حين تلتقي الفلسفة الشعبية بالاستراتيجية الكبرى أمي خيرة، التي كانت تجلس على عتبة بيتنا الطيني، تقول لنا دائما: “اللي يبني بيتو بالطين، ما يرميش الحجر على جارو”. لكنها أيضا كانت تهمس في أذني وأنا طفلة: “الراجل الصامت لا يعني أنه جاهل، بل يعني أنه يحفظ طلقات عقله ليوم الحاجة”. هذا هو بوتين بالتمام: رجل صامت طويلا، مشغول بجدار شرقي أقامه بالخرسان والدم، وفجأة يتقدم كفيلسوف روسي أعرج، يلبس عباءة الحكيم الفارسي، ويعلن للعالم: “إذا ضربتم إيران براً، فلن ترضوا عن النتائج”.

هنا نتعلم من علم النفس الشعبي أن القائد الذكي لا يحتاج أن يكون محبوبا، بل يحتاج أن لا يمكن الاستغناء عنه. بوتين أدار ظهره للغرب في أوكرانيا، لكنه اليوم يمد يده لإسرائيل وأميركا عبر طهران. ليس تناقضا، بل هو نظرية العدو الصديق: أن تبقي الجميع في حالة ترقب، لا يعرفون إن كنت صديقا لهم أم عدوا، فتضمن أن يظلوا يتحدثون إليك.

من هذا المشهد البوتيني المذهل، نستخلص أنّه: كن حيث لا يتوقعك أحد بوتين كان منشغلا بأوكرانيا، الكل ظن أنه خرج من لعبة الشرق الأوسط. لكنه عاد من النافذة الخلفية، بعد أن استقبل وزير الخارجية الإيراني في الكرملين، ثم يتصل بترامب ليحذره. للوهلة الأولى، بوتين هو “الدب الروسي” الذي يحب الحرب. فجأة، يتحول إلى “حمامة السلام” التي تحذر من عملية برية في إيران. هذا الانقلاب السريع في الصورة يربك الخصوم، ويجعلهم يعيدون حساباتهم عشر مرات. كما تقول أمي خيرة: “”اللي تغير جلدو ما يتعرفوش أعداؤو.

لم يعد بوتين بحاجة لأن يكون طرفا في أوكرانيا فقط. لقد أعاد تعريف نفسه كـ “ضامن التوازن” في الشرق الأوسط. هذه هي القمة في هندسة الأدوار: أن تجعل الآخرين يظنون أنهم يحتاجونك في مكان لم تكن موجودا فيه من قبل. ما يجعل بوتين مختلفا عن غيره من القادة، هو قدرته على توظيف التناقض بوصفه أسلوب حياة. تخيل معي قارئي العزيز: نفس الرجل الذي أمطر كييف بالصواريخ، يقدم نفسه اليوم كـ “حامي السلام” في الخليج. نفس الرجل الذي قطع الغاز عن أوروبا، يعرض وساطته بين أميركا وإيران.

هذا ليس انفصاما، بل فن البقاء في عالم لا يعترف إلا بالقوي المرن. إنها سياسة الضدين التي علمنا إياها الحكماء، حيث أن الشجرة التي لا تنحني للريح، هي التي تقتلعها العاصفة. فلاديمير بوتين يقدم للعالم درسا مجانيا في كيفية تحويل الهزيمة إلى فرصة، والصمت إلى قوة، والحرب إلى ورقة تفاوض. ليس لأنه عبقري خارق، بل لأنه فهم أن السياسة ليست صراعا على الأرض، بل على السرديات. من يتحكم في السرد، يتحكم في العقول. ومن يتحكم في العقول، يملك مفاتيح المستقبل.

أمي خيرة كانت تقول أيضا: “اللي عندو راسو، ما يحتاج لقلنسوة”. بوتين لديه رأس، بل لديه كرملين بأكمله، وهو لا يحتاج إلى تاج ليكون ملكا في لعبة الشطرنج العالمية. نحن أمام ظاهرة نادرة: قائد أتى من رحم الفوضى ليؤسس لفلسفة جديدة، حيث يصبح المخرِّب حكيما، ويصبح المحارب مسالما، ويصبح الوحيد الذي صُمم ألا يفهمه أحد… هو الوحيد الذي يفهم الجميع.

📲 Partager sur WhatsApp

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *