بقلم زكية لعروسي رئيسة تحرير الورقاء, باريس
يولد الإبداع في لحظة برق لا ترى فيها الحدود، ولا توزَّع فيها الجنسيات، ولا تقاس المسافات بين ضفة الوطن وضفة المنفى. الإبداع أنفاس لا وثائق، وجمرة لا تشتعل لتضيء وجه منافس، بل لتكوي صدر صاحبها قبل أن تكوي الدنيا. وما يكتبه المثقف المغترب لا يكتب ليقال عنه: “بلغ مستوى فلان في الوطن”، ولا ليُعلن مسابقة خفية مع آخرين يكتبون على أرض الوطن. هذا التفكير ابن علاقة “المركز والمحيط” التي سئمناها، وهي علاقة استعمرت النقد قبل أن تستعمر الإبداع. الإبداع الأدبيّ أوسع وأنبل وأغنى من أن يختزل في سباق وهميّ بين “هنا” و”هناك”. لا نقارن أنفسنا بأحد. ولا نتوهم أننا نركض خلف أحد.
كلّ مبدع يعيش تجربته التي هي ابنة مساره: مسار متشابك طويل من القراءات، من الانفعالات، من الجراح التي قدَّت من قماش المكانين معا. هناك من ماتوا من كبار الأدب في العالم، وهناك من هم أحياء في أوروبا والعالم العربي، وقد يؤثرون فينا. وهذا طبيعي، وليس انتصارا لمركز على محيط، بل هو سيولة النصوص التي لا تعترف بالخنادق.
ولكن ثمّة ما هو أعمق أخلاقيا وإبداعيا: إن ما يُكتب عن تجربة المبدع المغترب لا يحق لأحد أن يكتبه حقّ من عاشها، وخاض غمارها، ودفع ثمنها جلدا وروحا. لأن الكتابة عن الغربة من دون أن تحرق بلهيبها، هي مجرد تشريح بارد لجثة لم تمت بعد. والنقد الذي يتناول النصوص المهاجرة بحاجة إلى مرجعيات مختلفة، نعم، ولكن قبل المرجعيات يحتاج إلى احتكاك حقيقي بلغة الآخر، وإلى مساءلته ولو من بعيد: لماذا يكتب هكذا؟ لماذا يستعير هذا الأسلوب دون ذاك؟ وأيّ جرح يواري هذه الاستعارة أو تلك؟ لأن ما حك جلدك مثل ظفرك. والناقد الذي لم يحتكّ بلهفة السؤال بتجربة المبدع المغترب، لن يقرأ في نصوصه إلا أشباح مركز يظنّه الشمس وكلّ ما سواها كواكب تدور حولها.
أتعجب، وأتعجب كثيرا، من أقلام عربية ما زالت تكتب وتكتب وتنشر، وما زالت تعيش بعقلية “المحيط والمركز”، كأنها لم تسمع بموت المركز أصلا، أو بتحوّل الدنيا إلى دوائر تتقاطع ولا تتراتب. كفى وصفا وتوصيفا للمبدع المغترب من بعيد. دعوه يكتب جلده بيده. ودعوا النقد يُمسك العصا من الوسط، لا من طرف الوطن ولا من طرف المنفى. فالإبداع الأدبيّ ليس دبلوماسية، ولا انتخابات، ولا بطولة أُمَّة على أُمَّة. الإبداع الأدبيّ حريق يبدأ في صدر واحد، وقد يحرق العالم كلّه، أو قد لا يضيء إلا لصاحبه. وفي الحالين: هو حرّ، هو حرّ، هو حرّ.


المركز مراكز حتى داخل البيت الواحد. لنتابع لمن يمنح الميكروفون لكي يتكلم، هنا؟ حتى هنا هناك تراتب بين مراكز. غي أن الفرق ان تعدد المراكز هنا تحكمها علاقات من خارج منطقة الكتابة ، علاقات الزبونية ةالقرابة الخبث، لما تتكرر نفس الوجوه والأسماء بشكل ابدي في مختلف المحافل الثقافية او الفنية. المعرض الدولي نموذجا. لنحصي عدد التكرارات على الاقل لثلاث سنوات الأخيرة. بل الادنى تنظم ندوات تطرق موضوع خاص فيه باحثون وكتب ا بصدده وتم عرض كتبهم في عين المعرض، ولا تديتم استدعاؤهم لإضاءة ذلك الموضوع، وترى أسماء أخرى….حسبنا الله ونعم الوكيل.
مقالة في غاية الأهمية ، تضع النقاط على الحروف لتقول ان المبدع في غربته لا يمكن لنقاد الصالونات المكيفة ان يشعروا كيف يكتب قلمه وبأي حرقة .