لبنان: نسف دير “الأخوات المخلصات”

بقلم زكية لعروسي، باريس

في صبيحة يوم جمعة، لا تليق به الصرخات، وصل خبر كالصاعقة إلى لبنان والعالم: الجيش الإسرائيلي ينسف دير “الأخوات المخلصات” وكنيسته ومدرسته في بلدة يارون الجنوبية، تلك البلدة التي ظلت عقودا من الزمن رمزا للتعايش المسيحي الإسلامي على تخوم المواجهة مع إسرائيل. ليس المبنى حجرا فقط، بل هو تاريخ يمتد لأكثر من قرن، مدرسة خرّجت آلاف الطلاب من مختلف الطوائف، مكان عبادة وصرح ثقافي. تحوّل فجأة إلى غبار، تحت ذريعة “تطهير المنطقة” من حزب الله. يا للعجب! حزب الله يعبد الله بمنهجه، والدير يعبد الله بإنجيله، فلماذا يهدم مكان الله، بمن فيهم؟

عندما تقع الانفجارات في جبال جنوب لبنان، يعتقد البعض أنها تستهدف مقرات حزبية أو مواقع صواريخ. لكن حين يطال القصف ديرا مسيحيا، لا يمكن للضمير أن يسكت. بحسب ما نقلته صحيفة “لوريان لو جور” اللبنانية، فإن التفجير كان متعمدا وبكميات متفجرة كبيرة، ما أدى إلى تدمير المبنى بالكامل. ثم أضافت الوكالة الوطنية للإعلام أن منازل ومحلات وطرقات دُمّرت أيضا في يارون وبلدة شمالا، في مشهد يشبه عنفوان العقاب الجماعي. والأدهى أن المنطقة أُغلقت تماما، وحظر التجول فيها، ومنع الصحفيون من الاقتراب، وكأن ما يجري هو جريمة لا تريد إسرائيل أن يراها أحد. تدمير البيوت، تهجير الأهالي، محو الآثار، وصولا إلى تدمير المعابد. من يضمن أن مدارس الأونروا غدا؟ من يضمن أن مساجد صيدا بعد أسبوع؟ من يضمن أي شيء حين تتهاوى الحدود الحمراء؟

تستند إسرائيل إلى “حقها في الدفاع عن النفس” كشرط في أي هدنة، وفي اتفاق وقف إطلاق النار الأخير مع لبنان، نجحت في إدراج بند غامض يسمح لها بالرد على أي هجوم “مخطط أو وشيك”. لكن السؤال: هل تفجير دير نصراني هو رد على هجوم وشيك من راهبات؟ أم أن القصد هو طمس الوجود المسيحي في جنوب لبنان، وتغيير ديموغرافيا المنطقة، تمهيدا لضمها أو جعلها منطقة عازلة خالية من السكان بالكامل؟ هنا تكمن المفارقة: إسرائيل تدعي أنها تحمي “المسيحيين في الشرق” بينما تدمر كنائسهم. تدعي أنها تحارب “الإرهاب”، بينما تفجّر مدرسة ودار عبادة، خلفت جيلا كاملا.

وبرأي محللين دوليين، تمثل هذه الحادثة انتهاكا صارخا للقانون الدولي الإنساني الذي يمنع استهداف المباني الدينية والثقافية في أوقات النزاع. لكن هل هناك محكمة دولية واحدة يمكنها إصدار مذكرة اعتقال بحق قائد عسكري إسرائيلي لأنه فجّر ديرا؟ لا ومليون لا. بحسب المعطيات الرسمية: وقف إطلاق النار دخل حيز التنفيذ في 17 أبريل 2026، وكان لبنان بانتظار أن تنسحب القوات الإسرائيلية من الأراضي المحتلة. لكن ما يحدث هو العكس تماما:

– منذ بدء الهدنة، قُتل أكثر من 30 لبنانيا في غارات إسرائيلية تحت عنوان “الرد على تحرشات حزب الله”.

– قوات الاحتلال تواصل توغلها في سهل مرجعيون وإقليم التفاح، وتفجّر المنازل والطرق.

– وزير الخارجية اللبناني يتحدث رسميا عن “انتهاكات فاضحة” لكن الصوت لا يصل إلى مجلس الأمن.

والأدهى أن هذه الـ”ثلاثة أسابيع الإضافية” للهدنة التي أعلن عنها بعثة الأمم المتحدة اليونيفيل يوم الجمعة نفسها، جاءت بالتزامن مع انفجارات يارون، كأنها الغطاء الدولي لمواصلة الدمار. وماذا عن الضحايا المدنيين؟ تقول وزارة الصحة اللبنانية: أكثر من 2600 قتيل منذ 2 مارس الماضي. أكثر من 2600 إنسان، بينهم أطفال ونساء وكهنة. هل سمعنا أي موقف مسيحي دولي غاضب؟ الفاتيكان التزم الصمت المطبق. الكنائس الغربية أصدرت بيانا معسولا بـ”القلق”. بطارقة الشرق انشغلوا بخلافاتهم الداخلية. أما الحقيقة، فهي أن مسلسل حذف المسيحيين من الشرق، بدأ بتهجير مسيحيي الموصل وسهل نينوى على يد داعش، واستمر باغتيال رهبان في سوريا، ثم بطرد مسيحيي غزة تحت القصف، وأخيرا بتفجير كنيستهم في قلب معقل “المسيحيين الصامدين” في جنوب لبنان. تقول الباحثة اللبنانية لمى فرّان: “إسرائيل لا تفرق بين مسيحي ومسلم، بين حزب الله والراهبات. كل من يعيش على أرض المقاومة هو عدو. المهم تطهير الأرض لجعلها يهودية فقط.”

على المستوى السياسي، إسرائيل تريد:

1- تهجير سكان جنوب الليطاني وصولا إلى نهر الليطاني، لإنشاء منطقة عازلة فعليا، ومنع حزب الله من الاقتراب من الحدود.

2- تدمير البنى التحتية والتربوية والدينية لضمان عدم عودة النازحين أبدا.

3- اختبار حدود رد الفعل الدولي فإذا لم يحرك المسيحيون الغربيون ساكنا لتدمير دير وكنيسة، فمعنى ذلك أنه يمكن تدمير أي شيء دون عقاب.

أما لبنان، الذي يعيش انقساما حادا بين فريق يريد المقاومة وآخر يستسلم للضغوط، فإنه عاجز عن تقديم أي ردع حقيقي. الجيش اللبناني المنتشر في الجنوب لا يجرؤ على الاقتراب من مناطق التماس، والأمم المتحدة مكتوفة الأيدي. عندما ينفجر دير نصراني في قلب قرية جنوبية، لا يموت الحجر فقط، بل تموت الرموز. يموت الأمل بأن الأديان يمكن أن تحمي بعضها. ويموت الإيمان بأن احترام دور العبادة هو خط أحمر.

التاريخ سيذكر قارئي: أن جيشا فجّر ديرا مسيحيا في القرن الحادي والعشرين. وأن العالم اكتفى بالبيانات. وأن لبنان سيبقى يدفع الثمن. والأدهى… أن بعض العرب والمسيحيين سيصمتون تكيفا. أيها الدير المنكوب في يارون… أقم صلاة من تحت الأنقاض: “أيها الراحلون في الغبار… انتفضوا شاهدوا على هذا الزمن الآثم.” فالأرض لا تموت، وإن ماتت فوقها الكنائس.

📲 Partager sur WhatsApp

2 thoughts on “لبنان: نسف دير “الأخوات المخلصات”

  1. حتى في منطق الحروب، هناك حدود يفترض ألا تُمس: دور العبادة، المدارس، والرموز التي تحفظ الحد الأدنى من إنسانية المكان. تدميرها لا يحقق “تطهيرًا”، بل يزرع جروحًا أعمق ويقوّض أي أمل في عودة الحياة المشتركة كما كانت

  2. هذا الحدث شظية من شظايا تصريحه: ” سنغير وجه الشرق الأوسط”. تصريح يرى كل شيء حجر يشي بلا شيء، يلزم الهدم تم الهدم..إلى أن تختفي مقومات الحياة. متسع المقدس في مخيلتهم لا يتجاوز اقدامهم.. لا معنى في قاموسهم العيش المشترك. يتحركون بفكرة هم كل شيء أو لا شيء.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *