الصين وتايوان: ما وراء تحذير ماركو روبيو

بقلم زكية لعروسي, باريس

في لحظة تبدو فيها الجغرافيا وكأنها تعيد كتابة التاريخ، يطلّ تصريح ماركو روبيو من واشنطن محمّلا بلغة التحذير، عشية زيارة مرتقبة للرئيس الأميركي ترامب إلى بكين، حيث يقف اكسي جينباين على رأس منظومة ترى في الزمن السياسي امتدادا لقرون من الوعي الحضاري. ليست تايوان هنا مجرد جزيرة؛ إنها عقدة فلسفية بين تصورين للعالم: تصور يرى السيادة امتدادا تاريخيا لا يقبل القسمة، وآخر يوازن بين القوة والمصالح في نظام دولي مضطرب.

لفهم حساسية التحذير الأميركي، لا بد من العودة إلى ما هو أبعد من السياسة اليومية. الصين ليست دولة حديثة فحسب، بل كيان حضاري تشكّل عبر آلاف السنين، من سلالات مثل الهان والتانغ إلى تشينغ، حيث كانت فكرة “المركز” (Zhōngguó) تعني عالما يدور حول الذات الصينية. في هذا التصور، لم تكن الحدود خطوطا جامدة، بل دوائر نفوذ واعتراف رمزي.

تايوان، في هذا السياق، ليست مجرد ملف دبلوماسي؛ إنها جرح تاريخي مفتوح منذ “قرن الإذلال” الذي شهد تدخل القوى الغربية واليابان. لذلك، فإن أي حديث عن “إجراءات مزعزعة للاستقرار” يُقرأ في بكين ليس فقط كتحذير سياسي، بل كتحد لذاكرة جماعية تسعى إلى استعادة اكتمالها.

تستند المقاربة الأميركية إلى منطق واقعي كلاسيكي: توازن القوى ومنع التغيير الأحادي للوضع القائم. أما الصين، فتستدعي – ولو ضمنيا- إرثا كونفوشيوسيا يقوم على “الانسجام” (He)، حيث يُفترض أن تُحل التناقضات ضمن إطار وحدة أكبر، لا عبر الصراع المفتوح. لكن المفارقة تكمن هنا: هل يمكن تحقيق الانسجام عبر الضغط العسكري أو التهديد الضمني؟ أم أن هذا المفهوم نفسه يتحول إلى أداة ضمن لعبة القوة الحديثة؟

تقف تايوان في قلب هذا التوتر، ككيان ديمقراطي متقدم تكنولوجيا، وفي الوقت نفسه كرمز سيادي للصين. إنها ليست فقط مسألة “من يملك الجزيرة”، بل “أي نموذج للعالم سينتصر”: نموذج التعددية الليبرالية الذي تدافع عنه واشنطن, أم نموذج .الدولة-الحضارة الذي تطرحه بكين

لو استحضرنا حكمة الأمهات، كما في أمثال “أمي خيرة”، لوجدنا قولا بسيطا يلخص المأزق: “الدار اللي فيها نار، ما تزيدها ريح” أي أن المناطق المتوترة لا تحتمل مزيدا من التصعيد. وفي مثل آخر: “الصبر مفتاح الفرج، لكن فتح الباب يحتاج للصبر وللعقل” وهو تذكير بأن التريث وحده لا يكفي دون حكمة في إدارة الأزمات. تصريح روبيو ليس موجّها للصين وحدها، بل يحمل ثلاث رسائل متداخلة:

1- لبكين: أن واشنطن تراقب ولن تقبل بتغيير مفاجئ.

2- لحلفاء الولايات المتحدة: أن الالتزام الأمني لا يزال قائما

3- للداخل الأميركي: تأكيد الحزم في مواجهة قوة صاعدة.

لكن في المقابل، قد ترى الصين في هذا الخطاب محاولة لتطويقها، ما يدفعها إلى مزيد من التشبث بموقفها. فالأمر لا يتعلق فقط بزيارة دبلوماسية أو تصريح سياسي، بل بلحظة اختبار لنظام دولي بأكمله. الصين، التي تحمل ذاكرة الإمبراطوريات، والولايات المتحدة، التي تقود النظام العالمي الحديث، تلتقيان عند جزيرة صغيرة بحجمها، كبيرة بمعناها. وهنا يتردد صدى الحكمة القديمة: “إذا شددت الحبل أكثر مما ينبغي، انقطع.” فهل يدرك اللاعبون الكبار أن التاريخ لا يرحم من يفرط في الشد؟ أم أن تايوان ستبقى نقطة التوازن الهشة التي قد تعيد تشكيل العالم؟

📲 Partager sur WhatsApp

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *