كيف تعيد بكين وطهران تشكيل المشهد العالمي؟

بقلم زكية لعروسي, باريس

ليس الخبر، في جوهره، مجرّد لقاء دبلوماسي بين وزيرين في قاعة مُكيّفة في بكين، بل ارتجافة أخرى في جسد عالم يتقن إخفاء توتراته تحت لغة البروتوكول. حين يلتقي عباس عراقجي بنظيره الصيني في قلب بكين، فالأمر لا يقرأ كصورة عابرة، بل كنصّ كثيف بالرموز، تكتب حواشيه على خرائط تمتد من الخليج إلى بحر الصين. في الظاهر، هو حوار بين دولتين. وفي الباطن، هو همس قوى تتلمّس توازنا هشّا، كأنها تمشي على حبل مشدود فوق هاوية الشرق الأوسط.

الحرب هناك – أو ما يشبه الحرب – لم تعد حدثا يمكن احتواؤه في جغرافيا. إنها حالة سائلة، تتسرّب من حدود إلى أخرى، وتعيد تعريف نفسها كل يوم. ليست معركة تقليدية، بل شبكة من التوترات: سياسية، طائفية، اقتصادية، ورمزية. كأن الشرق الأوسط لم يعد ساحة صراع فقط، بل مختبرا مفتوحا لإعادة تشكيل العالم. في هذا السياق، تبدو الصين – بهدوئها المدروس – كمن لا يريد أن يرفع صوته، لكنه يغيّر الإيقاع. لا تصرخ كما تفعل القوى التقليدية، بل تُنصت طويلا، ثم تتحرك حيث لا يتوقعها أحد. استقبالها لوزير خارجية إيران ليس مجاملة دبلوماسية، بل إشارة دقيقة: أن بكين لم تعد تكتفي بدور المراقب، بل بدأت تكتب سطورها الخاصة في الرواية.

أما إيران، فهي تدخل هذا اللقاء مثقلة بتاريخ من العزلة والمواجهة، لكنها أيضا مسلّحة بقدرة نادرة على البقاء. دولة تعلّمت كيف تعيش تحت الضغط، وكيف تحوّل الحصار إلى أسلوب حياة. لقاء بكين، بالنسبة لها، ليس مجرد محطة، بل محاولة لإعادة تموضع، لفتح نافذة في جدار طالما بدا صلبا. لكن، ما الذي يقال حقا خلف الأبواب المغلقة؟ هل هو حديث عن تهدئة؟ أم عن إعادة توزيع النفوذ؟ أم عن صفقة غير معلنة، تُرسم خطوطها بالحذر، وتترك نهاياتها مفتوحة؟

في مثل هذه اللقاءات، لا تقال الحقيقة كاملة. تلمّح فقط. اللغة الدبلوماسية، مثل صياح الديك في الفجر، تحمل أكثر مما تظهر. هي إعلان مقنّع: أن شيئا ما يتحرّك، حتى لو لم يُرَ بعد. في التراث، كان الديك يصيح لأنه “رأى ما لا يرى”. وفي السياسة، هناك دائما من يرى قبل الآخرين، ويتكلم بلغة لا يفهمها إلا من اعتاد قراءة ما بين السطور. لقاء بكين هو، إذًا، . جزء من مشهد أكبر، حيث تتقاطع المصالح وتتنافر، حيث تبنى التحالفات وتفكك في الوقت نفسه. عالم لم يعد يدار بمركز واحد، بل بعدة مراكز، لكل منها إيقاعه، وحساباته، وخوفه الخاص.

وربما، في عمق هذا كله، يكمن السؤال الذي لا يُطرح بصوت عال: هل نحن أمام نظام عالمي يتشكّل من جديد؟ أم أمام فوضى تتقن ارتداء قناع النظام؟ الجواب، كما يبدو، لم يحسم بعد. لكن المؤكد أن الشرق الأوسط لم يعد كما كان، وأن بكين لم تعد بعيدة، وأن طهران – مهما اشتدّ عليها الحصار- لا تزال تعرف كيف تجد طريقها إلى الطاولة. فلا شيء يحدث صدفة. وكل لقاء، مهما بدا هادئا، يحمل في طيّاته صدى ما سيأتي. تماما كصوت بعيد في الفجر…لا يوقظ الجميع، لكنه يُنذر ببداية لا يمكن تجاهلها.

📲 Partager sur WhatsApp

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *