معرض الكتاب بين الخبز الحافي و الحلم

بقلم زكية لعروسي, باريس

في اليوم الأخير من معرض الكتاب، كان المشهد يشبه نهاية رواية روسية طويلة كُتبت بالحبر البارد والوجوه المتعبة. الناس يدخلون القاعات كما يدخل المؤمنون كنيسة فقدت إيمانها منذ زمن، لكن ما تزال تحتفظ بالشموع. في الممرات، كانت الكتب مصطفّة مثل جنود مهزومين في حرب لا يعرفون حتى سببها، بينما الوجوه نفسها تتحرك من ندوة إلى ندوة، بنفس الابتسامات، بنفس النبرة التي تشبه خبز الأمس: الحافي منه واليابس. ظننت, للحظة, أنني لا أعيش معرضا للكتاب، بل إعادة بثّ قديمة بالألوان الباهتة. نفس المثقفين. نفس الأسماء. نفس الصور الجماعية التي تلتقط كأنها صورة عائلية في جنازة الثقافة. ونفس الكراسي التي يبدو أنها وُلدت وفيها أسماء أصحابها محفورة سرا مثل مقاعد البرلمان. أيعقل أن المنفى المغربي في باريس، بكل هذا الزخم البشري، بكل هذا الشتات، بكل هذه العقول التي تكتب بصمت في المقاهي والقطارات وغرف الغربة الباردة… لا يُنجب إلا هذه الوجوه نفسها؟

أم أن هناك خوفا دفينا من الجديد؟ خوفا من الكاتب الذي لا ينتمي إلى القطيع الثقافي؟ خوفا من شخص لا يعرف كيف يبتسم في صور النفاق الثقافي ؟ أو ربما لأن الثقافة عندنا، في بعض لحظاتها الحزينة، لا تدار كحقل للإبداع بل كجمعية لقدماء المحاربين؟ الغريب أنني رأيت بعض الوجوه التي لا علاقة لها بالكتابة إلا كما لعلاقة السمك بتسلّق الأشجار. ترى الواحد منهم جالسا في الصف الأول، يضع ساقا فوق ساق، ويتحدث عن “الفعل الثقافي” بلهجة جنرال متقاعد، بينما آخر كتاب قرأه ربما كان تعليمات آلة القهوة أو تسريحة الشعر.

يا للعجب. صرنا نعيش زمنا يصبح فيه الكاتب الحقيقي كائنا مشبوها، لأنه لا ينتمي إلى شبكة العناق الموسمية، ولا يتقن رياضة التصفيق الجماعي، ولا يملك موهبة الظهور الأبدي في كل صورة كأنه “الخال الثقافي الرسمي للجالية”. هناك في القاعات، خِلت أحيانا أن الكتب نفسها تريد الهرب. رأيت روايات ترتجف فوق الطاولات كأيتام حرب. ورأيت شعراء حقيقيين يمشون بصمت في الزوايا مثل لصوص خجولين، بينما يحتل المشهد من يجيدون الكلام عن الثقافة أكثر مما يجيدون خلقها.

والأدهى…أنك كلما دخلت ندوة، شعرت أنك دخلت آلة زمن معطلة. نفس النقاشات منذ عشرين سنة. نفس العبارات:
“الجسور الثقافية”…“رهانات الهوية”…“أسئلة الهجرة”…“تثمين الذاكرة”… الذاكرة نفسها تعبت . حتى الكراسي بدت وكأنها حفظت شكل أجساد أصحابها من كثرة ما جلسوا عليها. كأن الثقافة المغربية في المهجر تحولت إلى مقهى قديم في الحيّ: نفس اللاعبين…ونفس أوراق الكارطة…ونفس الجدل الذي لا ينتهي. أما الوجوه الجديدة، فتقف خارج الضوء مثل أطفال ينظرون عبر زجاج محلّ لعب مغلق.

هنا تبدأ المأساة الحقيقية. لأن الثقافة حين تخاف من الجديد، تتحول إلى متحف شمع. حين يتحول المثقف إلى موظف حضور دائم، تموت المغامرة الفكرية. والمصيبة الكبرى أن بعض المنظمين ما زالوا يتصرفون بعقلية “شكون شكرك العروس: مّا وخالتي والجالسة قبالتي” يريدون أسماء جاهزة، مألوفة، مطمئنة، لا تُربك أحدا. كأنهم يخافون أن يأتي كاتب جديد فيخلط فناجين الشاي فوق الطاولة. لكن الزمن تغيّر. نحن لسنا في سنوات “زوروني كل سنة مرة”. نحن في عصر يرى فيه الناس كل شيء فورا، ويكتشفون التكرار بسرعة الضوء. الجمهور لم يعد غبيا. والمثقف الحقيقي لم يعد يقبل أن يُعامل ككومبارس في مسرحية محفوظة النهاية.

المثير للسخرية أن بعض من يحتكرون المشهد يتحدثون عن “التنوع”، بينما هم أنفسهم يتحركون في ظلّ ثقافية لا تتغير حتى بتغير الفصول. أحيانا كنت أتساءل، وأنا أراقب هذا الكرنفال الأنيق: هل نحن في معرض كتاب… أم في اجتماع سري لنقابة الوجوه الخالدة؟ ومع ذلك…وسط هذا العبث كله، كان هناك شيء جميل يقاوم. شاب يحمل ديوان شعر ويقف مرتبكا قرب رفّ بعيد. فتاة تناقش رواية بحماس يشبه الإيمان. قارئ مجهول يشتري كتابا بآخر ما في جيبه. كاتب شاب يراقب المشهد كله بعينين ممتلئتين بالغضب والحلم. هؤلاء هم الأمل الحقيقي. لأن الثقافة لا تموت بسبب الرداءة فقط، بل تموت حين نعتقد أن المقاعد ملكية خاصة، وأن الضوء إرث عائلي.

المعرض يحتاج إلى هواء جديد. إلى وجوه لم تتعلم بعد فنّ التصفيق البروتوكولي. إلى أصوات تأتي من الهامش، من القرى، من الضواحي، من المقاهي الصغيرة، من عزلة المهاجرين الحقيقيين الذين يكتبون لأنهم يتألمون… لا لأن لديهم بطاقة دعوة. في المغرب يقول المثل الشعبي: “الماء الراكد كَيْخَنز.” وربما هذا بالضبط ما تخشاه الثقافة اليوم: أن تعترف بأن بعض مياهها لم تعد تجري. لكن الاعتراف ليس فضيحة. الفضيحة الحقيقية… أن نستمر في تلميع الصدأ ونسميه ذهبا.

📲 Partager sur WhatsApp

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *