المنتدى الدولي للاستثمار والشراكات لمغاربة العالم… حين يفتح المغرب ذراعيه لكفاءاته العابرة للقارات
بقلم زكية لعروسي, باريس
في زمن تتصارع فيه الدول بالعقول، والشبكات، والاقتصاد المعرفي، والدبلوماسية الناعمة، يبدو المغرب وكأنه يعيد اكتشاف كنزه الأكبر: أبناؤه المنتشرون في العالم. هؤلاء الذين حملوا الوطن في حقائب الغربة، وفي لغات العمل، وفي مختبرات التكنولوجيا، وفي مراكز المال والبحث العلمي، يعودون اليوم إلى الرباط لا كسياح ذاكرة، بل كصناع مرحلة تاريخية جديدة. فالرباط، المدينة التي تعرف كيف تجمع بين هيبة الدولة وعطر الحضارة، تستعد يوم السبت 9 ماي 2026 لاحتضان حدث دولي استثنائي، يحمل من الرمزية بقدر ما يحمل من الرهانات الاستراتيجية: “المنتدى الدولي للاستثمار والشراكات لمغاربة العالم”.

حدث لا يشبه اللقاءات البروتوكولية العابرة، بل يبدو أقرب إلى مجلس مغربي عالمي كبير، تستدعى إليه كفاءات الوطن من جهات الأرض الأربع، ليجلسوا حول مائدة المملكة، ويعيدوا رسم خرائط الاستثمار والتنمية والشراكات بعقل مغربي كونيّ. وفي هذا السياق، جاء البلاغ الرسمي للمنظمين ليؤكد حجم الرؤية والطموح الذي يحمله هذا الموعد الدولي الكبير:
“في إطار تعزيز الروابط بين المملكة المغربية وكفاءاتها المقيمة بالخارج، تنظم الحركة الوطنية لمسيرة المملكة بشراكة مع نادي رواد الأعمال بالمملكة المغربية وعدد من جمعيات مغاربة العالم: المنتدى الدولي للاستثمار والشراكات لمغاربة العالم
المكان: مركز النجاح للشباب يعقوب المنصور – قرب مدرسة الشاهد – الرباط
التاريخ: 9 ماي 2026
التوقيت: الثانية والنصف بعد الزوالويهدف هذا المنتدى الدولي إلى خلق فضاء للحوار والتشاور وبناء شراكات استراتيجية بين مغاربة العالم والمؤسسات الوطنية والفاعلين الاقتصاديين والجمعويين، قصد تشجيع الاستثمار المنتج والمساهمة في التنمية الاقتصادية والاجتماعية للمملكة.
كما يشكل هذا الحدث فرصة لتعبئة الكفاءات المغربية بالخارج، وتقوية جسور التعاون الاقتصادي، وتشجيع حاملي المشاريع والمستثمرين على الانخراط في دينامية تنموية جديدة قائمة على الشراكة والتكامل.
ويدعو المنظمون كافة الفاعلين الجمعويين والمؤسساتيين والاقتصاديين ومغاربة العالم إلى المشاركة المكثفة والمساهمة الفعالة في إنجاح هذه التظاهرة الدولية.”
لكن خلف هذا البلاغ، هناك ما هو أعمق من الكلمات. هناك المغرب وهو يعيد صياغة علاقته بأبنائه في الخارج، ليس بمنطق الحنين العاطفي وحده، بل بمنطق الشراكة الاستراتيجية والسيادة الاقتصادية. فالعالم تغيّر. ولم تعد الدول تقاس فقط بما تختزنه داخل حدودها، بل بما تمتلكه من امتدادات بشرية ذكية قادرة على التأثير في الاقتصاد العالمي، والجامعات، ومراكز القرار، والأسواق العابرة للقارات.
ومن هنا تكتسب هذه assises internationales معناها الحقيقي. إنها ليست مجرد تظاهرة اقتصادية،
بل إعلان مغربيّ جديد عن تعبئة الكفاءات الوطنية العالمية. ففي قاعات المنتدى، ستلتقي خبرات مغربية قادمة من أوروبا وأمريكا والخليج وإفريقيا وآسيا، حاملة معها عصارة التجربة الدولية في مجالات الاستثمار، والطاقات المتجددة، والتحول الرقمي، والذكاء الاصطناعي، والتنمية الترابية، والتمويل، والصناعة، والدبلوماسية الاقتصادية. وسيحضر رجال أعمال، وخبراء دوليون، ومستثمرون، وممثلون عن المؤسسات العمومية والخاصة، إلى جانب فاعلين جمعويين وشباب حاملي مشاريع، في مشهد يشبه عودة النهر المغربي إلى منابعه الأولى.
إن المنتدى، كما يراه منظموه، ليس مساحة للكلام…إنّما مختبرا مغربيا ضخما لصناعة الحلول. ولهذا يتضمن برنامجا غنيا يمتد من الاستقبال الرسمي وافتتاح الأشغال، إلى جلسات استراتيجية حول الاستثمار والشراكات، وورشات co-construction، ومداخلات دولية عن بعد عبر Google Meet، وصولا إلى صياغة توصيات عملية وخارطة طريق مستقبلية، ثم الإعلان عن لجنة قيادة وتتبع لضمان تحويل الرؤية إلى أثر ملموس.
إنه انتقال من ثقافة اللقاءات إلى ثقافة النتائج. ومن هنا تبرز الأهمية الرمزية العميقة لهذا المنتدى. فالمغرب، تحت القيادة الرشيدة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله، لم يعد ينظر إلى الجالية المغربية بالخارج باعتبارها فقط مصدر تحويلات مالية، بل باعتبارها قوة استراتيجية ناعمة، وامتدادًا حضاريا واقتصاديا للمملكة في العالم. فالطبيب المغربي في باريس، والمهندس في مونتريال، والمقاول في دبي، والباحث في برلين، ورائد الأعمال في نيويورك، لم يعودوا مجرد أفراد يعيشون بعيدا عن الوطن…لقد صاروا جزءا من معادلة المغرب المستقبلية. ولذلك يأتي هذا المنتدى وكأنه دعوة كبرى إلى إعادة ربط شرايين الوطن بأبنائه المنتشرين في العالم.
دعوة تقول إن المغرب لا يريد أبناءه زوارا موسميين، بل شركاء دائمين في صناعة السيادة والتنمية. إن الرباط، وهي تستقبل هذا الحدث الدولي، لا تستضيف مؤتمرا فقط، بل تستضيف صورة المغرب الجديد: مغرب يفتح أبوابه لكفاءاته، ويحوّل الهجرة إلى شبكة نفوذ عالمي، ويجعل من الاستثمار فعلا وطنيا، ومن الشراكة أفقًا حضاريا، ومن مغاربة العالم قوة اقتراحية تعبر القارات… لكنها لا تنسى الطريق إلى الوطن.
📲 Partager sur WhatsApp
ما يلفت الانتباه في هذا الحدث هو أنه يترجم تحولا عميقا في طريقة تفكير المغرب تجاه كفاءاته بالخارج، إذ لم يعد التعامل معها محصورا في البعد الرمزي، بل في إدماج خبرتها ضمن رؤية تنموية أوسع تعيد تعريف دور الرأسمال البشري العالمي للمملكة. هذا التوجه ينسجم مع نقاشات متزايدة حول ضرورة بناء جسور مؤسساتية دائمة مع النخب المغربية المنتشرة عبر القارات، وتحويل حضورها الدولي إلى رافعة استراتيجية تخدم الاستثمار والابتكار والسيادة الاقتصادية. ومن الواضح أن هذا المنتدى يأتي ليعزز مسارا فكريا وتنمويا سبق أن طرح في أكثر من مناسبة، ويؤكد أن المغرب يتجه فعلا نحو نموذج جديد يجعل من أبنائه في العالم جزءا عضويا من معادلة المستقبل.