زيارة دارمانان للجزائر: وقود أم دفء سياسي؟

بقلم زكية لعروسي, باريس

في السياسة، ليست كل الزيارات مصافحة، وليست كل الابتسامات هدنة. أحيانًا تكون الطائرات الدبلوماسية محمّلة بالثلج أكثر من الورود، وأحيانًا أخرى تحمل في جوفها جمرا هادئا يدفئ المصالح قبل أن يشعل الحرائق. ومن هنا تأتي زيارة وزير العدل الفرنسي جيرار دارمانان إلى الجزائر، كحدث يتجاوز بروتوكول المجاملات إلى اختبار حقيقي: هل هي وقود جديد لأزمة مؤجلة؟ أم دفء سياسي يعيد ترميم ما تصدّع بين باريس والجزائر؟

العلاقة بين فرنسا والجزائر ليست علاقة دولتين عاديتين. إنها علاقة ذاكرة ودم وغاز ولغة ومهاجرين وأشباح استعمار لم تغادر بعد. ولهذا، فإن أي تقارب بين البلدين لا يقرأ فقط في بيانات الخارجية، بل في وجدان الشارعين معا؛ شارع فرنسي يخشى انفجار ملف الهجرة والتطرف والذاكرة، وشارع جزائري يتأرجح بين الرغبة في الندية ومرارة التاريخ.

زيارة دارمانان تأتي بعد أشهر من البرود الحاد، بل من حرب دبلوماسية صامتة اختلط فيها ملف التأشيرات بقضية المعارضين والهجرة غير النظامية والتجاذبات الأمنية. كانت باريس تبدو وكأنها تريد “تأديب” الجزائر، بينما كانت الجزائر تحاول إعادة تعريف علاقتها مع القوة الاستعمارية السابقة من موقع أكثر استقلالا وثقة، خصوصا في ظل التحولات الجيوسياسية وعودة الجزائر لاعبا طاقويا مهما بعد الحرب في أوكرانيا. لكن السياسة لا تعيش على العناد وحده. فرنسا تحتاج الجزائر؛ ليس فقط لضبط ملف الهجرة، بل لأن الجزائر أصبحت عقدة استراتيجية في أمن المتوسط والطاقة ومكافحة الإرهاب في الساحل الإفريقي. والجزائر أيضا تحتاج فرنسا، لا حبا في باريس، بل إدراكا أن الاقتصاد والتكنولوجيا والاستثمارات والعلاقات الأوروبية تمرّ، جزئيا، عبر البوابة الفرنسية. هنا يصبح السؤال أكثر عمقا: هل الزيارة وقود أم دفء؟

إذا نظرنا إلى ظاهر المشهد، فهي “دفء محسوب”. لغة التهدئة واضحة، والاستقبال الرسمي يحمل رسائل رغبة في كسر الجليد. مجرد إرسال وزير سيادي مثل دارمانان يعني أن باريس تريد إعادة فتح القنوات المغلقة، خصوصا أن الرجل يعرف بخطابه الصارم تجاه ملفات الهجرة والأمن، ما يجعل زيارته ذات دلالة أكبر من مجرد زيارة مجاملة. لكن تحت هذا الدفء، يوجد وقود كثيف قابل للاشتعال في أي لحظة.فالملفات الخلافية لم تحلّ جذريا: ملف الذاكرة الاستعمارية ما يزال قنبلة مؤجلة، والتصريحات الفرنسية حول التاريخ الجزائري قادرة في أي وقت على إعادة العلاقات إلى نقطة الصفر. كذلك فإن قضية ترحيل المهاجرين الجزائريين من فرنسا ما تزال حساسة، إضافة إلى التنافس الخفي حول النفوذ في إفريقيا، حيث تنظر الجزائر بعين الريبة إلى التحركات الفرنسية في الساحل.

إنّ العلاقة بين البلدين لم تعد تدار بالعاطفة التاريخية فقط، بل بمنطق المصالح الباردة. وهذا أخطر ما في الأمر وأذكاه في الوقت نفسه. لأن المصالح قد تنتج استقرارا مؤقتا، لكنها لا تخلق ثقة حقيقية. الجزائر اليوم ليست جزائر التسعينيات، وفرنسا ليست فرنسا ديغول أو حتى شيراك. الجيل السياسي الجديد في الجزائر يريد شراكة بلا وصاية، بينما تعيش فرنسا ارتباكا داخلياً يجعلها أكثر حساسية تجاه ملفات الهوية والهجرة والإسلام السياسي. وبالتالي، فإن أي تقارب يبقى هشّا، كمدفأة تعمل فوق برميل بارود.

ومع ذلك، لا يمكن التقليل من أهمية الرمزية. فالسياسة الدولية تدار أحيانا بالإشارات أكثر من الاتفاقيات. وظهور مسؤول فرنسي بهذا المستوى في الجزائر بعد التوترات الأخيرة يعني أن الطرفين أدركا تكلفة القطيعة. لا باريس تستطيع إدارة جنوب المتوسط دون الجزائر، ولا الجزائر ترغب في تحويل علاقتها بفرنسا إلى حرب استنزاف دائمة. ربما ليست الزيارة وقودا خالصا، ولا دفئا كاملا. ربما هي “حرارة سياسية” مضبوطة بعناية؛ حرارة تمنع التجمد، لكنها لا تكفي بعد لإذابة الجليد العميق المتراكم منذ عقود. العلاقات الفرنسية الجزائرية, قارئي العزيز, تشبه نارا تحت الرماد: كلما اقترب الطرفان شعرا بالدفء… وخشيا الاحتراق في الوقت نفسه.

📲 Partager sur WhatsApp

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *