الإمبراطورية الأمريكية داخل صندوق اقتراع

بقلم زكية لعروسي, باريس

في قلب أمريكا العميقة، هناك ولاية تبدو كأنها خارج الزمن السياسي الحديث: كنتاكي، أرض التلال الهادئة، ومناجم الفحم القديمة، والكنائس التي تحفظ الذاكرة أكثر مما تحفظ الإيمان. لكن في هذا الثلاثاء الانتخابي، لم تعد كنتاكي مجرد ولاية؛ لقد تحولت إلى مسرح تجري فيه تجربة سياسية أشبه ما تكون بمختبر لإرادة الإمبراطورية الأمريكية في شكلها الجديد. الانتخابات التمهيدية الجمهورية لم تعد شأنا محليا. إنها الآن مرآة مشروخة تعكس صراعا أكبر: بين الدولة العميقة للديمقراطية التمثيلية، وشخصنة السلطة التي تعود من بوابة دونالد ترامب كقوة سياسية تشبه الظاهرة الطبيعية أكثر من كونها حزبًا.

في هذا المشهد، يقف النائب توماس ماسي كظلّ سياسي غريب داخل حزبه، رجل يبدو كأنه خرج من نص دستوري قديم كتبه الآباء المؤسسون ثم نسي في أرشيف التاريخ. معارضته المتكررة لسياسات ترامب جعلته أشبه بـ«خلل فلسفي» داخل آلة حزبية تريد الانضباط الكامل، لا الاختلاف. لكن ترامب لا يتعامل مع السياسة كإدارة مؤسسات، بل كحقل رمزي للصراع. حملته ضد ماسي ليست مجرد معركة انتخابية، بل طقس لإعادة تعريف معنى الولاء داخل الحزب الجمهوري: من يملك الحق في تمثيل «أمريكا الحقيقية»؟ هنا تستيقظ أشباح التاريخ. شبح توكفيل يمرّ فوق المشهد، مبتسما بمرارة: الديمقراطية الأمريكية التي وصفها كـ«نظام يقوم على توازنات دقيقة» أصبحت اليوم تميل نحو مركز واحد من الإرادة السياسية. وشبح مكيافيلي يهمس من خلف الستار: «الأمير لا يحتاج إلى الإجماع، بل إلى السيطرة على الخوف».

في كنتاكي تعيّر السياسة بدرجة القرب أو البعد من رجل واحد يجلس في واشنطن ويحوّل الولاءات إلى امتحان يومي. الحزب الجمهوري لم يعد مجرد حزب، بل كيان يتشكل حول جاذبية شخصية تشبه الجاذبية الكونية: كل شيء يدور حولها، أو يطرد منها. اقتصاديا، تعكس هذه المعركة التوتر العميق بين الريف الأمريكي المهمّش والنخب السياسية والمالية. كنتاكي ليست مجرد ولاية، بل رمز لأمريكا التي لم تستفد بالكامل من العولمة، والتي تبحث عن صوت يعيد لها معنى القوة المفقودة. سياسيا، نحن أمام لحظة يمكن وصفها بـ«إعادة برمجة الديمقراطية». فبدل أن تكون الانتخابات تنافسا بين رؤى مختلفة، أصبحت اختبارا للولاء داخل رؤية واحدة مهيمنة. وهذا ما يجعل هذه الانتخابات الصغيرة تحمل وزنا وطنيا غير مسبوق.

في خلفية المشهد، يقف هوبز مرة أخرى ليذكّرنا بأن السياسة ليست أخلاقا، إنّما هندسة قوة. بينما يلوح ظل حانا آرندت محذرا من تحوّل السياسة إلى مسرح للشخصنة، حيث يختفي المجال العام لصالح الزعيم. هكذا تتحول كنتاكي إلى ما يشبه رواية روسية كثيفة: قرية صغيرة تحمل في داخلها صراع إمبراطورية، ونائب معارض يتحول إلى رمز وجودي، وزعيم يختبر حدود السلطة داخل نظام يفترض أنه ديمقراطي. إنها ليست انتخابات فقط… بل اختبار لفكرة أمريكا نفسها.

📲 Partager sur WhatsApp

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *