بقلم زكية لعروسي, باريس
في الليل الطويل للحضارات، حين تتعب الأمم من التفكير، وتبدأ في عبادة يقينها كما تعبد الأصنام القديمة، يظهر رجل يشبه النار: يضيء… ثم يحرق. هكذا كان أبو الوليد ابن رشد. لم يكن مجرد فيلسوف يجلس بين الكتب، بل كان زلزالا معرفيا يرتدي عباءة فقيه. رجلا خرج من أزقة قرطبة كما يخرج نهر من جبل، يحمل في قلبه السؤال، وفي عقله شهوة التأويل، وفي روحه ذلك الإيمان العجيب بأن الله لم يخلق العقل لكي يُغلق، بل لكي يضيء.
كان ابن رشد آخر المصابيح الكبرى في أندلس بدأت جدرانها تتشقق من الداخل. الأندلس التي كانت ذات يوم مكتبة العالم، تحولت شيئا فشيئا إلى قاعة محاكمات للفكر. هناك، بين المآذن التي كانت تتلو القرآن، والقصور التي كانت تحفظ أشعار المتنبي وابن زيدون، بدأ الخوف من السؤال يكبر مثل عشب سامّ تحت الرخام. لقد فهم ابن رشد مبكرا ما لم يفهمه عصره:
أن الحضارات لا تسقط حين يهزمها العدو، بل حين تخاف من عقلها. قال عبارته التي ما زالت حتى اليوم كأنها صفعة على وجه القرون: “الحق لا يضاد الحق، بل يوافقه ويشهد له.”
المشكلة أن العصور المريضة تخاف دائما من الذين يربطون بين العقل والإيمان. فالسلطة تريد نصا بلا تأويل، والجماهير تريد يقينا بلا تعب، والكهنة يخافون من رجل يستطيع أن يشرح الدين دون أن يطلب إذنا من الخوف. كان ابن رشد يرى أن التأويل ليس خيانة للنص، بل إنقاذ له من الموت داخل الحرف. كان يعتقد أن القرآن ليس جدارا مغلقا، بل بحرا متعدد الأعماق، وأن الله الذي خلق العقل لا يمكن أن يعاديه. لكن الشرق- حين يتعب- يتحول أحيانا إلى محكمة ضد الأسئلة. فجأة صار الفيلسوف زنديقا. وصار العقل تهمة. وصارت الكتب أخطر من السيوف. أُحرقت مؤلفاته كما تُحرق المدن المهزومة، ونُفي إلى أليسانة، القرية اليهودية الصغيرة، وكأن السلطة أرادت أن تقول له: “مكان العقلاء دائما خارج الأسوار.”

المذهل, قارئي العزيز,…بينما كانت قرطبة تطرد ابن رشد، كانت باريس تستقبله. بينما كان فقهاء الشرق يلعنون الفلسفة، كانت جامعات أوروبا تنحني أمام “الشارح الأعظم”. لقد مات الرجل في مراكش غريبا، لكن روحه عبرت البحر المتوسط مثل سفينة نجت من حريق الحضارة. في الغرب، صار اسمه Averroès. هناك، لم يقرأوه كفقيه ضال، بل كمنقذ للعقل الأوروبي من سباته الكنسي الطويل. كان توما الأكويني يحاوره كما يحاور نبيا فلسفيا، وكان باروخ سبينوزا يرى فيه شجاعة الفكر الحر، أما رينيه ديكارت فقد وجد في ظله البعيد البذور الأولى لذلك السؤال العظيم: “أنا أفكر إذن أنا موجود.”
إنها السخرية السوداء في تاريخ الأمم: الغرب بنى عصر الأنوار على أكتاف رجل كفّره الشرق. لكن تخيلوا, قرّائي الكرام, الآن…لو عاد فيلسوف قرطبة اليوم، ماذا كان سيرى في عالم ترامب والذكاء الاصطناعي والحروب المقدسة؟ سيخرج من قبره في مراكش، ينفض عن عباءته غبار القرون، ثم يسير في عالمنا كمن يمشي داخل كابوس معدني. سيرى بشرا يحملون في جيوبهم هواتف أذكى من مكتبات بغداد القديمة، لكنهم يخافون من سؤال بسيط. سيرى عالما وصل إلى الذكاء الاصطناعي، لكنه ما زال عاجزا عن التعايش مع الاختلاف. سيرى رجال دين على الشاشات يصرخون أكثر مما يفكرون، وساسة يحكمون بالخوف أكثر مما يحكمون بالعقل.

وسيصل حتما إلى أمريكا…إلى عالم ترامب. هناك سيتوقف طويلا. لن يرى ترامب كرجل فقط، بل كعرض فلسفي لمرض العصر. سيقرأه كما قرأ أفلاطون سقوط المدن حين تتحول الديمقراطية إلى مسرح للغرائز، وحين يصبح السياسي ممثلا محترفا للخوف الجماعي. كان ابن رشد سيقول إن الترامبية ليست حادثة سياسية, إنّما هي انتصار البلاغة على الحكمة، والصوت العالي على البرهان. كان سيرى في ترامب صورة حديثة لذلك “السفسطائي” الذي تحدث عنه أفلاطون: الرجل الذي يعرف كيف يخاطب مخاوف الجماهير، لا كيف يحرر عقولها.
لكنه في الوقت نفسه، لم يكن لينخدع بادعاءات الغرب الأخلاقية. كان سيلاحظ أن الحضارة الغربية، رغم عظمتها العلمية، بدأت تفقد روحها تحت سطوة السوق والرأسمالية المتوحشة. كان سيرى الإنسان الحديث يملك كل شيء… إلا الطمأنينة. فالغرب الذي تعلم من ابن رشد كيف يفكر، نسي أحيانا لماذا يفكر. وهنا تكمن المأساة الكبرى للقرن الحادي والعشرين:
الشرق يخاف من العقل، والغرب يخاف من الروح. سيجلس ابن رشد بين الحضارتين، كشيخ أندلسي حزين، يتأمل هذا الانقسام الكوني.
سيقول إن الشرق قتل التأويل، فمات فيه الاجتهاد. وإن الغرب قتل المعنى، فتحول الإنسان فيه إلى آلة استهلاك عملاقة. ثم سينظر إلى الذكاء الاصطناعي. لن يخاف منه كما يفعل الناس اليوم، لأنه كان يعرف أن الخطر لا يسكن الأدوات، بل يسكن القلوب التي تستخدمها. سيقول إن المشكلة ليست في أنّ الآلة أصبحت تفكر، بل في أنّ الإنسان توقف عن التفكير. وسيرى في عالمنا إعادة إنتاج لمحنته القديمة: تكفير المختلف، وصناعة الكراهية، وتحويل الدين إلى متراس سياسي، والعقل إلى متهم دائم.
سيقرأ نشرات الأخبار كما لو كانت فصولا من رواية شرقية سوداء كتبها بعد ليلة طويلة من الكوابيس. وسيرى في الحروب الحديثة شيئا يشبه انهيار الروح الإنسانية أكثر مما يشبه صراع الدول. في غزة…في اليمن…في أوكرانيا…في صعود اليمين المتطرف…في جنون الإعلام…في تحوّل البشر إلى جيوش إلكترونية تصرخ دون أن تفكر…كان سيكتشف أن العالم، رغم كل تطوره، ما زال خائفا من السؤال ذاته: كيف نعيش مع الحقيقة دون أن نحوّلها إلى سكين؟
لقد فهم ابن رشد شيئا لم تفهمه أمم كثيرة حتى اليوم: أن الحضارة لا تبنى بالقوة وحدها، بل بقدرتها على حماية المفكرين من الجماهير، وحماية الأسئلة من السجون. ولهذا لم يكن موته مجرد موت رجل، بل بداية انطفاء طويل للعقل العربي. كل حضارة تضطهد فلاسفتها… تحفر قبرها بيدها. وابن رشد لم يكن ضد التقاليد كما يتوهم البعض، بل كان يريد إنقاذها من التحول إلى أصنام. كان يعرف أن التراث الذي لا يتجدد يموت، وأن الدين الذي يخاف من العقل يتحول إلى خوف جماعي مقدس.
واليوم، ونحن نعيش في عالم تتصارع فيه الخوارزميات مع النبوءات، والسياسة مع الهوية، والذكاء الاصطناعي مع هشاشة الإنسان، يعود ابن رشد كأنه سؤال مفتوح فوق خراب القرون: هل نملك شجاعة التفكير؟ ربما لهذا لم يمت حقا. فابن رشد لا يسكن قبره في مراكش، بل يسكن كل عقل يجرؤ على السؤال، وكل مؤمن لا يخاف من التأويل، وكل أمة تدرك أن الكتب يمكن أن تُحرق…لكن الأفكار، إذا لامست المستقبل، تصبح أقوى من النار.
📲 Partager sur WhatsApp
نص عميق بلغة أنيقة، تعيد بناء صورة للفذ ابن رشد ، منارة من منارات الفكر الفلسفي، في الغرب الاسلامي. و هذه مهمته مثل هؤلاء العظماء العبقرة: قل كلمتك، وتوارى عن الانظار. وما يبقى سوى ما انكتب على يده خيرا على ورق. من هنا كان الكتاب رمزا، بالنظر لمحموله الميتا- فيزيقي التأملي، المتحاوز الجغرافيا والتاريخ والزمن….