(بقلم المحلل السياسي, ماركو باراطو, (ترجمة وتصرّف زكية لعروسي
في تاريخ الأمم لحظات دقيقة لا توزن بقدرة الدول على تحويل التصدعات المحتملة إلى جسور للوحدة، وتحويل الاختلافات الثقافية والخصوصيات الجهوية إلى روافد قوةٍ لا إلى معاول تفكك. ومن بين النماذج السياسية التي تكشف عبقرية الدولة حين تنتصر للعقل الاستراتيجي بدل منطق الصدام، يبرز “النظام الخاص لجزيرة صقلية” الذي أقرّته إيطاليا سنة 1946، ومقترح الحكم الذاتي المغربي في الصحراء، باعتبارهما تجربتين تنتميان إلى فلسفة سياسية واحدة: الوحدة عبر الاعتراف بالتنوع، والاستقرار عبر توسيع فضاء الثقة الوطنية.
لقد خرجت إيطاليا من الحرب العالمية الثانية كجسد مثقل بالرماد والانقسامات، وكانت صقلية آنذاك تغلي فوق صفيح المطالب الاجتماعية والنزعات الانفصالية، فيما كانت الدولة الإيطالية تخشى أن يتحول الجنوب إلى شقّ في جدار الأمة الوليدة. غير أن روما اختارت طريق الحكمة بدل القمع، والسياسة بدل المغامرة الأمنية، فأنجزت ما يشبه “العقد التاريخي” مع الجزيرة المتوسطية: منحتها نظاما خاصا واسع الصلاحيات، إداريًا وتشريعيًا وماليًا، دون أن تمسّ بجوهر السيادة الإيطالية ووحدة الدولة.
لم يكن ذلك تنازلا عن الوطن، بل كان شكلا أرقى من أشكال الدفاع عنه. فالدول العظيمة لا تخاف من منح الثقة لأقاليمها، لأنها تدرك أن الوطنية ليست قيدا حديديا، بل شعورا جماعيا بالانتماء تغذيه العدالة والاعتراف والكرامة. ومن هنا، يبدو التشابه عميقا بين التجربة الإيطالية بالأمس، والرؤية المغربية اليوم في قضية الصحراء. فالمغرب، وهو يطرح مشروع الحكم الذاتي تحت سيادته الوطنية، لا يقترح مجرد صيغة إدارية عابرة، بل يقدم تصورا حضاريا متكاملا يروم الجمع بين الوحدة الترابية والتدبير الديمقراطي المحلي، بين السيادة الوطنية والانفتاح المؤسساتي، وبين مركز الدولة وخصوصيات المجال الصحراوي.
إنها فلسفة دولة عريقة تعرف أن الأوطان لا تصان فقط بالحدود والأسلاك، بل أيضا بإشراك الإنسان في صناعة مصيره داخل وطنه. وحين نتأمل التجربتين معا، نكتشف أن الحكم الذاتي ليس نقيضا للوحدة، بل قد يكون أكثر أشكالها نضجا. فإيطاليا لم تفقد صقلية عندما منحتها خصوصيتها، بل ربحت استقرار الجنوب الإيطالي لعقود طويلة. والمغرب، حين يقترح حكما ذاتيا موسعا لأقاليمه الجنوبية، إنما يسعى إلى ترسيخ مغرب الجهات القوية داخل دولة موحدة، متماسكة، ذات سيادة كاملة.
إن الفرق بين الدول التي تصنع التاريخ، وتلك التي تستهلكه، هو أن الأولى تدرك أن التنوع ليس لعنة بل ثروة، وأن الاعتراف بالخصوصيات لا يعني تفكيك الدولة، بل إعادة هندستها على أسس أكثر صلابة وشرعية. ولعل الأهمية الكبرى في المقارنة بين صقلية والصحراء لا تكمن فقط في البعد القانوني أو المؤسساتي، بل في العمق الجيوسياسي الذي يحمله النموذجان. فصقلية كانت، وما تزال، بوابة المتوسط الجنوبية، منطقة حساسة في قلب التوازنات الأوروبية. وكذلك الصحراء المغربية، التي تحولت اليوم إلى فضاء استراتيجي بالغ الأهمية، يربط المغرب بعمقه الإفريقي، ويفتح على الساحل والصحراء والمحيط الأطلسي.
لهذا فإن مشروع الحكم الذاتي المغربي لا يقرأ فقط كحل لنزاع إقليمي، بل كتصور شامل للاستقرار الإقليمي في مغرب عربي أنهكته الحدود المغلقة والتوترات المزمنة. إنه مشروع يتجاوز الجغرافيا نحو بناء فضاء جديد للتعاون الاقتصادي والأمني والإنساني، في منطقة تتربص بها التنظيمات المتطرفة، وشبكات التهريب، وأزمات الهجرة، وتحولات النظام الدولي. ومن هنا تبرز عبقرية الرؤية المغربية: فبدل السقوط في فخ التقسيم والانفصال، اختار المغرب أن يبني معادلة دقيقة تجمع بين الشرعية التاريخية، والسيادة الوطنية، والتنمية الاقتصادية، والانفتاح المؤسساتي.

لقد فهم المغرب ما فهمته إيطاليا بعد الحرب: أن الدولة القوية ليست تلك التي تخرس الأطراف، بل تلك التي تجعل الأطراف تتكلم بلغتها داخل البيت الوطني الواحد. ولعل أجمل ما تكشفه التجربة الصقلية هو أن الحكم الذاتي، حين يؤطَّر داخل مشروع وطني واضح، يمكن أن يتحول إلى محرك للتحديث والتنمية. فصقلية لم تعد جزيرة هامشية معزولة، بل أصبحت جزءا فاعلا من الاقتصاد الإيطالي والأوروبي، رغم تعقيداتها التاريخية والاجتماعية. وكذلك تسير الأقاليم الجنوبية المغربية اليوم في مسار تنموي متسارع، من الموانئ الكبرى إلى مشاريع الطاقة والبنيات التحتية، في رؤية تجعل من الصحراء فضاء للاندماج الإفريقي والاستثمار الدولي.
إن الدول التي تنجح في المستقبل ليست تلك التي تدير الاختلاف بالخوف، بل تلك التي تديره بالثقة والخيال السياسي. وهكذا، فإن المقارنة بين النظام الخاص لصقلية ومشروع الحكم الذاتي المغربي ليست مجرد تمرين أكاديمي، بل هي شهادة على أن الحكمة السياسية قادرة على صناعة الاستقرار حين تعجز لغة الشعارات. فكلا النموذجين ينبع من فكرة واحدة عميقة:
الوطن لا يضعف حين يعترف بتنوعه، بل يصبح أكثر رسوخا. وفي زمن تتشظى فيه خرائط كثيرة تحت ضغط الهويات المتصارعة، يبدو المغرب وهو يطرح مشروع الحكم الذاتي، كدولة تراهن على المستقبل بعقل الدولة الحضارية، لا بردود الفعل العابرة. إنها ليست فقط قضية صحراء… بل قضية رؤية لوطن يعرف كيف يحول الجغرافيا إلى قدر مشترك، والتنوع إلى قوة، والسيادة إلى أفق للتعايش والاستقرار.
