دانيال يو ولوحة البشريّة الجريحة

بقلم زكية لعروسي, باريس

ثمة لوحات لا تعلَّق على الجدران، بل تعلَّق داخل الوعي الإنساني مثل نبوءة سوداء. وثمة أعمال فنية لا تشاهَد بالعين وحدها، بل تصغي إليها الأعصاب كما يصغى إلى بكاء بعيد صادر من قلب الحضارات المنهكة. وهذه اللوحة للفنان دانيال يو تنتمي إلى ذلك النوع النادر من الأعمال التي لا تدخل المتحف، بل تدخل الدم. إنها ليست لوحة عن أمّ ترضع طفلها. إنها لوحة عن البشرية وهي تحاول أن تنقذ آخر قطرة حنان في عالم اخترقتْه الرصاصات.

من النظرة الأولى، يبدو المشهد هادئا، يكاد يقترب من الطمأنينة البدائية الأولى: امرأة تحتضن رضيعها، تدنيه من صدرها، كما لو أنّ الكون كلّه قد تقلّص فجأة إلى هذه الحركة القديمة التي ابتدأت منذ أول امرأة في التاريخ. لكنّ دانيال يو لا يمنح المشاهد فرصة النجاة من السكينة طويلا. ففي قلب الحنان نفسه، يزرع الكارثة. هناك، في أحد الثديين، يتدفّق الحليب، أبيض كفجر الخليقة، دافئا كأول صلاة نطقتها الأرض وهي تنبت الحياة من طينها الرطب. وفي الثدي الآخر، تستقرّ الرصاصة. لا كجرح عابر، بل كقدر. وهنا بالتحديد تبدأ اللوحة في التحوّل من صورة إلى زلزال.

لم يرسم دانيال يو أمّا فقط؛ لقد رسم الصراع الأبدي بين الخليقة والعدم…بين الحياة والموت داخل الجسد ذاته. الحليب هنا ليس غذاء بيولوجيا…إنّه لغة كونية. ذلك السائل الأبيض الذي حمل سرّ الاستمرار الإنساني منذ فجر الأساطير. إنه النهر الخفي الذي عبرت فوقه البشرية من العدم إلى الوجود. أما الرصاصة، فهي النقيض الكامل لذلك البياض. هي معدن الحضارة حين تفقد روحها. هي التاريخ عندما يتحوّل إلى آلة قتل. هي العالم الحديث وهو يقتحم قداسة الجسد الأمومي ببرودة الحديد. وفي هذه المفارقة المروّعة، يصنع الفنان أكثر مشاهده قسوة وإشراقا في آن واحد: الأمّ تطعِم طفلها بالحياة من جهة، بينما الموت مغروس في جسدها من الجهة الأخرى. كأنّ اللوحة تقول لنا: إنّ البشرية كلّها تعيش اليوم بهذه الهيئة:
ترضع أبناءها الحليب… بينما الرصاصة لا تزال داخل لحمها

هذه المرأة ليست امرأة فردية. إنها ليست شخصية واقعية يمكن أن نعثر عليها في شارع أو بيت. إنها الأرض نفسها. إنها القارة الأمّ التي عبرتْها الحروب، ومرّت فوق جسدها الدبابات، ونامت في عروقها المجاعات، ومع ذلك لا تزال تخرج من صدرها لبن الرحمة. ملامحها لا تبدو مرسومة بفرشاة، بل محفورة كما تحفَر التعاويذ القديمة فوق جدران المعابد المنسية. جسدها كثيف، ترابي، ثقيل، كأنه صنع من طين الخليقة الأولى. أما ذراعاها فتبدوان كأنهما آخر غصنين يحاولان حماية العالم من السقوط في هاوية العدم. حتى صمتها داخل اللوحة يبدو هائلا. إنها لا تصرخ رغم الرصاصة. لا تنهار. لا تطلب النجدة. بل تستمرّ في الإرضاع. وهنا تبلغ اللوحة ذروة رعبها الجمالي. لأنّ أعظم المآسي ليست تلك التي تصرخ، بل تلك التي تواصل العطاء وهي تنزف.

منذ أقدم الحضارات، ظلّ الثدي رمزا للحياة والخصب والطمأنينة الكونية. الثدي ليس عضوا فيزيائيا فحسب، إنّه استعارة كبرى عن الحماية، وعن استمرار النوع البشري، وعن الحنان بوصفه آخر لغة لم تفسدها الحضارات. وحين يغرس دانيال يو الرصاصة في الثدي تحديدا، فإنه لا يجرح الجسد فقط؛ إنه يجرح الفكرة نفسها التي قامت عليها الإنسانية. كأنّ العالم الحديث، بحروبه وخرابه ووحشيته، لم يعد يكتفي بقتل الإنسان، بل صار يطلق النار حتى على مصدر الحنان ذاته. إنها صورة مفزعة ومقدسة في آن. الثدي الأول يمنح اللبن. الثدي الثاني يحتفظ بالرصاصة. وكأنّ المرأة تحمل داخل جسدها تاريخ البشرية كاملا: جهة تُنجب، وجهة تدمَّر، جهة تُحبّ، وجهة تُقتل.

أما الرضيع، فيبدو كائنا خارج الزمن. وجهه غارق في سلام بدائيّ مطلق، كأنّه لا يسمع ضجيج العالم بعد. إنه يشرب. يشرب الحياة، لكنه يشرب معها – دون أن يدري – حزن القرون كلّها. وهنا تبلغ العبقرية الرمزية للوحة أقصى درجاتها. فالطفل لا يرى الرصاصة، لكنه يتغذّى من جسد يحملها. كما أنّ الأجيال الجديدة ترث دوما أوجاع العالم القديم حتى حين لا تعرف أسماء الحروب التي صنعتها. إنه مشهد أمومي، نعم، لكنه أيضًا مشهد حضاريّ مروّع:
الإنسانية تُورّث أبناءها الحياة… والجرح معا.

ما فعله دانيال يو هنا يتجاوز الرسم نحو نوعٍ من الفلسفة البصرية العنيفة. إنه لا يرسم الجسد كما تراه العين، بل كما يشعر به التاريخ. الألوان الطينية المحترقة تبدو كأنها خارجة من رماد مدينة بعد حرب كونية. الظلال ليست ظلالا، بل بقايا أرواح. والخطوط المرتعشة حول الجسد توحي بأنّ المرأة ليست ثابتة تماما، بل تكاد تتحوّل إلى دخان أو إلى ذاكرة. حتى الضوء في اللوحة لا يشبه الضوء الطبيعي. إنه ضوء جريح. ضوء يخرج من قلب الألم نفسه. ولهذا يشعر المشاهد بأنّه لا يقف أمام عمل تشكيلي، بل أمام رؤيا.

يمكن اختزال اللوحة كلّها في مواجهة واحدة فقط: الحليب ضد الرصاص. بياض الحياة ضدّ سواد المعدن. دفء الجسد ضدّ برودة الحرب. الأمومة ضدّ الوحشية. الخلق ضدّ الفناء. لكنّ دانيال يو لا يجعل أحد الطرفين ينتصر تماما. فالرصاصة ما تزال موجودة. والحليب ما يزال يتدفّق. أي أنّ البشرية – رغم كل الخراب – لم تتوقّف بعد عن الحبّ. وهذه ربما هي العبارة السرّية التي أخفاها الفنان داخل هذه اللوحة المذهلة: ما دام في صدر الإنسان قطرة حليب، فلن تنتصر الرصاصة نهائيا.

يمكن اعتبار هذه اللوحة جرحا بصريا مفتوحا على مصير الإنسان الحديث. إنها لوحة تجعل المشاهد يشعر أنّ العالم كلّه مستلق داخل حضن أمّ جريحة، وأنّ الحضارة الحديثة – رغم ضجيجها وتقدّمها – ما تزال طفلا مذعورا يبحث عن قطرة رحمة وسط هذا الليل الكوني الطويل. لقد نجح دانيال يو في أن يخلق صورة ستظلّ تطارد ذاكرة الفن المعاصر طويلا: أمّ ترضع الحياة بثدي، وتحمل الموت في الثدي الآخر. وما بين الحليب والرصاصة، ولدت واحدة من أكثر الاستعارات التشكيلية فداحة وعبقرية في الفن الحديث.

📲 Partager sur WhatsApp

One thought on “دانيال يو ولوحة البشريّة الجريحة

  1. تأمل، وليس قراءة، تفكير تأملي لما حاول اللون والمادة والشكل أن يظهروه بلغة الوميض. الكتابة بصدد عمل فني، هي الشق الثاني من اللسان الذي يقول ما يستعصي على الاستقبال باللون، تأتي الكلمة من عمق لسان الأفعى لتفسح التلام لوميض النداء لكي يصيب كيان عين المتلقي، ليمسي ” مجذوبا” ، صريعا أمام هول فظائع هذا الزمن الضنين. ليقول: حيثما هناك ما يهدد، هناك بذور ما ينقد، الفن والشعر والفكر التأمليوالأدب، هم الإمكان الذي يبقى لقول ” لا” للوجه القبيح لعصر القوة والتقنية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *