الإبداع… حين يصبح الإنسان رسالة تأثير وتغيير

بقلم الإعلامي حيمري البشير, كوبنهاغن- الدنمارك

ليس الإبداع موهبة فكريّة يمارَس على هامش الحياة، بل هو في جوهره القيمة الحقيقية التي يعبّر بها الإنسان عن ذاته، ويؤكد حضوره في هذا العالم. فكلّ صورة من صور الإبداع ليست سوى انعكاس مباشر لعمق الشخصية الإنسانية، وللقدرة على التأثير في الآخر، وإيقاظ الوعي، وصناعة الجمال وسط واقع يكاد يكون بئيسا. فالرسّام حين يخطُّ ألوانه على القماش، لا يرسم أشكالا جامدة، بل يسكب رؤيته للحياة، ويترجم أحاسيسه بلغة اللون والظلّ. والشاعر لا ينظم الكلمات عبثا، وإنما ينسج من الحروف عالما نابضا بالمشاعر والحكمة والدهشة. أما الفنان المغني، فإنه يحمل بصوته رسالة تتجاوز حدود اللحن، لتلامس الوجدان الإنساني وتوقظ الأحاسيس الكامنة في النفوس.

وكذلك الممثل، الذي يجسد على خشبة المسرح أو أمام عدسات الكاميرا صورًا من الواقع الإنساني، فينقل للمشاهد قضايا المجتمع، وآلام الناس، وتناقضات الحياة، بأسلوب قادر على التأثير والإقناع. إنه لا يؤدي دورا فنيا فقط، بل يمارس رسالة فكرية وإنسانية تسعى إلى التغيير، سواء عبر كشف السلبيات أو إبراز النماذج الإيجابية الملهمة. أما الصحفي، فهو بدوره مبدع من نوع آخر؛ إذ لا يقتصر عمله على نقل الخبر، بل يتجاوزه إلى صياغته بذكاء ووعي وأسلوب يجذب القارئ ويشدّ انتباهه. فالصحافة الحقيقية ليست مجرد معلومات تُنقل، بل فن في تقديم الحدث، وصناعة التأثير، وخلق حالة من التفاعل بين النص والقارئ. ومن هنا تتجلّى قيمة الكاتب والصحفي الذي يمتلك القدرة على تحويل الخبر إلى تجربة فكرية وإنسانية حيّة.

إن كل إنسان يحمل هدفا في هذه الحياة، ويسعى جاهدا للوصول إليه، غير أن بلوغ الأهداف لا يتحقق بالأماني وحدها، وإنما بالإجتهاد والمثابرة والإصرار. والاجتهاد في حد ذاته صورة من صور الإبداع، لأنه يعكس قدرة الإنسان على تجاوز الصعوبات، وتحويل الحلم إلى واقع ملموس. فالإبداع ليس حكرا على الفنانين والأدباء فقط، بل هو حاضر في كل عمل ينجز بإتقان وشغف وإرادة صادقة. ولعل الكتابة والرسم والنحت ونظم الشعر، ليست إلا وسائل تعبير تجسّد قيمة الإنسان المبدع، وتكشف عن شخصيته وطموحه ورغبته العميقة في التأثير في المجتمع والمساهمة في بنائه فكريا وثقافيا. فالمبدع الحقيقي لا يعيش لنفسه فقط، بل يحمل همّ الوعي والجمال والتغيير، ويسعى إلى غرس الأفكار التي تحفظ الموروث الثقافي، وتصنع جيلا أكثر وعيا وانفتاحا وإبداعا.

وشخصيا، عندما أقرأ بعض المقالات الفكرية والصحفية المنشورة في جريدة الورقاء، أشعر بانبهار حقيقي تجاه الأسلوب الذي تنقل به الأحداث، والطريقة التي يُصاغ بها الخبر بروح تجمع بين العمق والجاذبية والإبداع. فالقارئ يلمس بوضوح حجم الاجتهاد الكامن خلف النصوص، ويشعر أن ما يُكتب ليس مجرد محتوى عابر، بل رؤية فكرية تحترم عقل المتلقي وتخاطب وجدانه. ولذلك، ليس غريبا أن تتسع دائرة المهتمين والمتابعين لجريدة الورقاء، سواء من المثقفين والمفكرين أو من عامة القرّاء؛ لأنها استطاعت أن تقدم خطابا إعلاميا مختلفا، يبتعد عن النمطية والتكرار، ويقترب أكثر من روح الإنسان المعاصر المتعطش للفكر والجمال والمعرفة.

ومن موقعي كقلم اختار أن ينقل الحدث من الدنمارك، أجد في هذا المنبر الإعلامي مساحة حقيقية للمساهمة في توسيع دائرة الوعي، وربط القارئ العربي بما يجري في العالم من أحداث وتحولات. وقد أصبح بعض القرّاء ينتظرون باستمرار متابعة المستجدات عبر ما ينشر في الورقاء، لما تحمله المواد المنشورة من قيمة فكرية وأسلوب شيّق يبعث على المتابعة والاهتمام. ولا يسعني في ختام هذا المقال إلا أن أعبّر عن خالص تقديري وامتناني لكل الكتّاب والشعراء والنقاد والمبدعين الذين يثرون هذا المنبر بأفكارهم وإبداعاتهم، وينقلون نبض الواقع الإنساني من مختلف بقاع العالم بأساليب راقية وملهمة. فالورقاء ليست مجرد جريدة،إنّها فضاء ثقافي وإعلامي يفتح نوافذ الفكر والجمال، ويمنح القارئ فرصة دائمة لاكتشاف الجديد، والتفاعل مع قضايا الإنسان بروح أكثر عمقا ووعيا.

📲 Partager sur WhatsApp

2 thoughts on “الإبداع… حين يصبح الإنسان رسالة تأثير وتغيير

  1. فعل الإبداع استجابة لنداء الوجود، في لحظة ما، من لحظات وميض الحقيقة. وجوارح الإنسان في هذه الحالة ليست سوى جسر لشق التلام من أن أجل ان يقال ما لم يقل بعد، بمعنى يظهر ويشير. والورقاء ليست سوى ذلك الركح الذي تقال بين ثنايا شطوره الحكاية، بأكثر من يد ولسان. إنها فضاء من مسرح الوجود، الذي تطل علينا منه العيون التي نرى بها العالم بكيفية أخرى. وأرى في عيون كل الأقلام التي تغذي الورقاء، أصدقاء للأرض والعالم الذي يحلم به كل شاعر…..

  2. الجميل في هذا النص أنه يربط بين الإبداع والمسؤولية، وبين الكلمة وأثرها في صناعة الوعي… وجريدة الورقاء من المنابر الثقافية التي تفتح نوافذ الفكر، وتمنح القارئ فرصة للقاء الكلمة الراقية، والرؤية العميقة…إنّها احتفاء بالصحافة كرسالة نبيلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *