ظلّ مغربيّ يسبق خرائط العالم

بقلم زكية لعروسي, باريس

في زحام الحكايات التي تتدافع على أبواب التاريخ، تخرج أحيانا قصة لا تمشي على قدميها مثل باقي القصص، بل تسير فوق أكتاف الريح. ومن بين تلك الحكايات تلوح شخصية غامضة تدعى إستيبانيكو الزموري، الرجل الذي تشير كثير من المصادر التاريخية إلى أنّه كان من أصول مغربية، ومن أوائل من وطئت أقدامهم أجزاء واسعة من القارة الأمريكية خلال القرن السادس عشر. ليس المهم هنا أن نعدّ السنوات أو نحصي الأميال التي قطعها. فالأرقام مجرد عظام جافة، أمّا الحكاية فهي اللّحم والنبّض والدّهشة. كان العالم آنذاك مثل كتاب ضخم لم تفتح معظم صفحاته بعد. وكانت المحيطات تبدو كأنها مرايا عملاقة تخفي خلفها أسرارا لا يجرؤ على تخيلها إلا المجانين والحالمون. وفي تلك اللحظة من عمر البشرية، خرج رجل من تخوم المغرب، من أرض اعتادت أن تنظر إلى الأفق كما ينظر الصّقر إلى فرائسه البعيدة، ليصبح جزءا من واحدة من أكثر الرحلات غرابة في تاريخ الاكتشافات.

كأنّ الزموري لم يكن إنسانا من لحم ودم، بل كان فاصلة عربية سقطت من مخطوطة قديمة واستقرت فجأة في جملة جديدة اسمها “العالم الجديد”. كان يحمل معه شيئًا لا يُرى: رائحة الطين بعد مطر الأطلس، وصدى أمواج الأطلسي وهي تضرب الصخور المغربية، وشيئا من ذاكرة القوافل التي كانت تعبر الصحراء كما تعبر النجوم سماء الليل. وحين وطئت قدماه الأرض الأمريكية، لم يكن الأمر مجرد انتقال جسد من قارة إلى أخرى؛ كان أشبه بعبور ظلّ قديم من صفحة التاريخ إلى صفحة الجغرافيا. كأن المغرب نفسه أرسل خيطًا من ضوئه ليمتد عبر المحيط، ويختبر للمرة الأولى اتساع الحلم الإنساني.

في المخيلة الأدبية، يمكن أن نتخيل الزموري واقفا على حافة عالم لم يسمَّ بعد، والجبال من حوله تبدو كحيتان حجرية نائمة منذ فجر الخليقة. والسهول تمتد أمامه كسجّاد نسجته الرياح من غبار الزمن. أما السماء، فكانت فوق رأسه قبّة زرقاء بحجم الأسئلة كلها. لم يكن فاتحا بالمعنى الذي تحبه كتب الإمبراطوريات، ولم يكن ملكا يمتطي جيوشا من الحديد. كان أشبه برسالة زجاجية ألقتها إفريقيا في بحر المجهول، فوصلت إلى شواطئ لم تكن تعرف أنها تنتظرها. وهنا تكمن فرادة الحكاية: أن التاريخ لا يصنعه دائما أصحاب أبطال السياسة. أحيانا يصنعه رجل مجهول الإسم عند ولادته، لكنه يتحول بعد قرون إلى جسر بين قارتين، وإلى شاهد على أن البشر أكبر من الحدود التي يرسمونها لأنفسهم.

إنّ قصة إستيبانيكو الزموري ليست مناسبة للمباهاة الجوفاء، بل دعوة للتأمل. فهي تذكّرنا بأن الحضارات ليست جزرا معزولة، بل أنهارا تتقاطع وتختلط وتمنح بعضها بعضا معاني جديدة. وأن الإنسان، مهما كان أصله أو لونه أو طبقته، قادر على أن يترك أثرا يتجاوز عمره بقرون. هكذا يبدو الزموري في مرآة الأدب: ليس مجرد رجل وصل إلى أمريكا، بل نجمة أفلتت من سماء المغرب القديمة، وظلّت تسافر قرونا طويلة حتى استقرت في ذاكرة العالم. وبين لحظة الرحيل ولحظة الخلود، ظلّ واقفا هناك، على تخوم المجهول، يشير برمحه إلى الأفق، وكأنه يقول للبشرية كلّها: “إن الخرائط لا تكتشف بالأقدام وحدها، بل بالشجاعة التي تجرؤ على السير حيث لم يسبق لأحد أن حلم.”

📲 Partager sur WhatsApp

One thought on “ظلّ مغربيّ يسبق خرائط العالم

  1. مقال أنيق. سيكون الأمر مفيدا لو تم الاطلاع على الكتاب الذي يقربنا من هذه المغامرة الغريبة و العجيبة في سيرة هذا الطيف المغربي الذي يحمل اسم الأزموري.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *