بقلم زكية لعروسي, رئيسة التحرير-باريس
في البدء، كان الإنسان يطارد الزمن. ثم جاءت لحظة غامضة لم يعد فيها يطارد الزمن، بل صار الزمن هو الذي يطارده. وبين المطاردتين ضاع شيء لا يباع في الأسواق ولا تصنعه المصانع. ضاع الإيقاع الذي كانت الروح تمشي عليه كما تمشي الغابة على ظلها، وكما يمشي النهر على صبره الطويل. ولعلّ أغرب ما يحدث في هذا العصر أن الإنسان، بعد أن انتصر على المسافات، بدأ يخسر الطريق. لقد اخترع القطار ليهزم البطء، ثم صنع الطائرة ليهزم القطار، ثم ابتكر الألياف الضوئية ليهزم الطائرة، ثم أقام ممالك كاملة فوق ومضة إلكترونية تعبر القارات في جزء من الثانية. لكنه حين بلغ قمة السرعة، اكتشف أن شيئا عجيبا كان يسقط منه في كل خطوة، كما تتساقط الريشات من جناح يطير أسرع مما يحتمل الهواء.
وهنا تظهر مفارقة تكاد تكون أسطورية. ها هو الإنسان الذي صنع أعصابا من الضوء، يعود اليوم ليضع رسائله فوق ظهر حمامة افتراضية، أو سلحفاة رقمية، أو حلزون يسير كما لو كان يقيس الأرض بنبض قلبه. كأنّ الحضارة، بعد أن صنعت صاروخا، اشتاقت إلى وقع حافر حصان. وهذا ليس حنينا إلى الماضي كما يتوهم كثيرون، بل تمرد على المستقبل حين يتحول إلى سجن. لقد تجاوز الإنسان السرعة في السرعة. وهذه العبارة ليست لعبة لغوية، بل تشخيص لمرض حضاري. فالسرعة كانت وسيلة لاختصار الزمن، لكنها تحولت إلى دين جديد يطالب المؤمنين به أن يركضوا حتى وهم لا يعرفون إلى أين يركضون. لم تعد الرسالة تصل بسرعة كي تمنحنا وقتا أطول للحياة، بل صار علينا أن نملأ ذلك الوقت برسائل أسرع، ثم بردود أسرع، ثم بإشعارات لا تنام. وهكذا لم نربح الزمن، بل استبدلنا سجانا بسجان أكثر ذكاء.
إن الإنسان الحديث يشبه عداء يركض فوق جهاز رياضي داخل غرفة مغلقة. يركض بكل قوته، ويتصبب عرقا، ويحسب أنه قطع آلاف الكيلومترات، بينما الأرض تحت قدميه لم تتحرك شبرا واحدا. أي مفارقة أكثر غرابة من هذه. لقد صار التأخير ترفا، والانتظار ثورة، والصمت فعلا متمردا. منذ قرون، كان العاشق يرسل رسالة، ثم يجلس تحت شجرة يعلم أن الجواب قد يحتاج أسابيع. وخلال تلك الأسابيع كانت الأشجار تكبر، والغيوم تغير شكلها، والليل يعلم القلب كيف ينضج. أما اليوم، فإن ثلاث دقائق من الصمت تكفي ليولد الشك، وتكبر الريبة، ويتحول التأخر إلى اتهام. لقد اختصرنا الزمن حتى بترنا الحكمة التي كانت تنمو داخله. إن الرسائل البطيئة ليست احتفالا بالبطء، بل احتفالا بما يصنعه البطء في الإنسان. فالفكرة التي تصل متأخرة تحمل معها شيئا من الرحلة. أما الفكرة التي تولد وتموت في اللحظة نفسها، فهي تشبه برققا يلمع في سماء خاوية ثم يختفي قبل أن يتعلم الضوء اسمه.

السرعة لا تقتل الوقت فقط، بل تقتل الوزن. كل شيء صار خفيفا إلى درجة مخيفة. الكلمات خفيفة، والوعود خفيفة، والصداقات خفيفة، والغضب خفيف، والحب نفسه صار يضغط على زر الإرسال كما يضغط على زر الحذف. لم يعد للكلمات زمن تتخمر فيه، كما يتخمر العنب حتى يصير خمرة للروح. صارت المشاعر تخرج من الأيدي ساخنة، قبل أن تنضج في القلب. وهنا يكمن السر الذي لا تقوله التطبيقات. إن البطء ليس نقيض السرعة، بل هو نقيض السطحية. النهر البطيء يحفر الجبل، أما السيل الجارف فلا يفعل سوى إثارة الضجيج. والشجرة لا تستعجل ثمرها، والنجمة لا تتعجل شروقها، والكون كله يعمل بإيقاع يكاد يكون صلاة طويلة، إلا الإنسان وحده قرر أن يجعل الثانية أطول من عمره. ولعلّ التطبيق الذي يحمل الرسائل على أجنحة حمامة ليس اختراعا تقنيا بقدر ما هو اعتراف فلسفي. إنه أول جهاز رقمي يعترف ضمنيا بأن التكنولوجيا ليست مضطرة دائما إلى زيادة السرعة، بل ربما كان عليها أحيانا أن تعيد إلينا القدرة على الانتظار.
فالانتظار ليس فراغا كما نظن. إنه الورشة السرية التي يصنع فيها القلب معناه. حين تنتظر، لا يتحرك الزمن وحده، بل تتحرك داخلك أشياء لا تراها العين. الفكرة تعيد كتابة نفسها، والحنين ينحت ملامحه، واللهفة تتعلم التواضع، والكلمات تفقد زوائدها حتى لا يصل إلى الآخر إلا جوهرها. لقد سرق منا العصر الحديث فضيلة كانت تبدو قديمة، لكنها كانت تحفظ الإنسان من نفسه. فضيلة التأني. نحن لا نعاني من قلة الوقت، بل من فيضان السرعة. لقد امتلأت حياتنا حتى فاضت من أطرافها، تماما كما تموت الشجرة إذا أغرقتها بالماء أكثر مما تحتاج. إن الحضارة تشبه كائنا أسطوريا يجري منذ ألف عام. وكلما ازداد ركضا، ازدادت الأرض اتساعا أمامه، حتى نسي السؤال الوحيد الذي يستحق أن يسأله كل عداء: لماذا أركض؟
وربما لهذا السبب تعود الحمامة اليوم، لا لتنافس الأقمار الصناعية، بل لتذكرها بما نسيت. فالجناح لا يقاس بسرعة طيرانه، بل بقدرته على حمل المعنى. وما قيمة رسالة تصل في أقل من ثانية، إذا كان صاحبها لم يمنحها ثانية واحدة من التأمل قبل أن يطلقها؟ لقد بلغ الإنسان نقطة عجيبة في رحلته. لم يعد يحلم بأن يكون أسرع، بل صار يحلم بأن يجد شيئا يستحق أن يتأخر من أجله. وهذه ليست هزيمة للتكنولوجيا، بل أول علامة على نضجها. فالحضارات، مثل البشر، تبلغ رشدها حين تكف عن السؤال: كيف نسرع أكثر؟ وتبدأ أخيرا في طرح السؤال الذي تأخر آلاف السنين: كيف نستعيد الزمن الذي أضعناه ونحن نركض خلف الزمن؟
📲 Partager sur WhatsApp