مأزق البوليساريو بعد رحيل لحبيب عبد العزيز؟

بقلم زكية لعروسي, باريس

في النزاعات الطويلة لا تكون بعض الوفيات مجرد أحداث عابرة في سجل الأخبار اليومية، بل تتحول إلى لحظات سياسية كثيفة تختصر مسارات كاملة من التحولات والصراعات والتوازنات. ومن هذا المنظور، يبدو رحيل لحبيب محمد عبد العزيز، أحد أبرز الوجوه الصاعدة داخل جبهة البوليساريو ونجل زعيمها التاريخي الراحل محمد عبد العزيز، حدثا يتجاوز كثيرا حدود الرواية العسكرية المباشرة التي أحاطت بوفاته. فالرجل لم يكن مجرد إطار تنظيمي أو قائد ميداني ضمن هرم الجبهة، بل كان يمثل في نظر قطاعات واسعة من النخبة الصحراوية داخل المخيمات مشروع انتقال مؤجلا بين جيل المؤسسين وجيل يبحث عن موطئ قدم داخل معادلة سياسية بلغت من العمر ما جعلها تواجه أسئلة الوجود أكثر مما تواجه خصومها.

تكمن أهمية هذا الحدث في أنه جاء في لحظة بالغة الحساسية، حيث تبدو جبهة البوليساريو أمام تحديات غير مسبوقة منذ تأسيسها. فمنذ وفاة محمد عبد العزيز سنة 2016، لم تنجح القيادة الحالية في إنتاج دينامية سياسية جديدة أو بلورة رؤية تستجيب للتحولات العميقة التي شهدها النظام الدولي والإقليمي. لقد ظلّ القرار محصورا في دائرة ضيقة من القيادات التاريخية التي قادت المشروع منذ سبعينيات القرن الماضي، بينما تغير العالم من حولها، وتغيرت موازين القوى، وتبدّلت أولويات المجتمع الدولي، وانتقلت المنطقة بأسرها إلى مرحلة جديدة تحكمها اعتبارات الاستقرار والتنمية والشراكات الاقتصادية أكثر مما تحكمها شعارات الاصطفاف الإيديولوجي التي طبعت حقبة الحرب الباردة.

في هذا السياق، كان لحبيب عبد العزيز يمثل بالنسبة لكثيرين داخل المخيمات أملا في كسر حالة الجمود التي أصابت البنية القيادية للجبهة. فقد جمع بين الشرعية الرمزية المستمدة من اسمه العائلي والحضور الميداني داخل المؤسسات العسكرية والسّياسية، ما جعله أحد أبرز الأسماء المطروحة ضمن معادلات ما بعد إبراهيم غالي. غير أن رحيله المفاجئ لا يطرح فقط سؤال الشخص الذي يمكن أن يخلفه، بل يكشف عن أزمة أعمق تتعلق بقدرة الجبهة نفسها على إنتاج قيادات جديدة تمتلك أدوات التعامل مع واقع دولي مختلف جذريا عن ذلك الذي نشأت فيه.

لقد كان النّزاع حول الصحراء المغربية خلال العقود الماضية جزءا من توازنات دولية معقدة، لكنّ العالم اليوم يتحرك وفق منطق مغاير. فالقوى الكبرى لم تعد تنظر إلى الملفّات الإقليمية من زاوية الشعارات أو الاعتبارات الرمزية وحدها، بل من زاوية الاستقرار والأمن والتنمية والاندماج الاقتصادي. وفي هذا التحوّل بالذّات برز المغرب باعتباره أحد أكثر الفاعلين قدرة على استيعاب روح المرحلة الجديدة. فالمملكة لم تكتف بالدّفاع عن وحدتها الترابية عبر الأدوات الدبلوماسية التقليدية، بل نجحت في إعادة صياغة القضية داخل إطار استراتيجي أشمل، قوامه التنمية الاقتصادية والاستثمار في البنية التحتية وتعزيز الارتباط بين الأقاليم الجنوبية ومحيطها الوطني والإفريقي والدولي. ولم يعد الحديث عن الصحراء في كثير من العواصم الكبرى يقتصر على الجوانب السياسية للنزاع، بل أصبح مرتبطا أيضا بمشاريع الموانئ والطاقات المتجددة والربط اللوجستي والانفتاح على العمق الإفريقي والأطلسي.

ومن هنا يمكن فهم التحولات التي شهدتها المواقف الدولية خلال السنوات الأخيرة. فالدعم المتزايد لمبادرة الحكم الذاتي المغربية لا يعكس فقط مواقف سياسية ظرفيّة، بل يعبر عن إدراك متنام لدى عدد من القوى المؤثرة بأنّ المقاربة المغربية أصبحت تمثل الإطار الأكثر واقعية وعمليّة لمعالجة هذا الملف في ظل المعطيات الراهنة. لقد انتقلت القضية تدريجيا من فضاء الصراع النظري حول التصورات التاريخية إلى فضاء البحث عن حلول قابلة للتطبيق تحفظ الاستقرار وتفتح آفاق التنمية. في المقابل، تبدو البوليساريو أمام معضلة معقّدة. فهي مطالبة اليوم بإقناع جيل جديد ولد في المخيمات بعد عقود طويلة من الانتظار بأن الاستراتيجية نفسها التي لم تحقّق أهدافها خلال نصف قرن قادرة على تحقيق نتائج مختلفة في المستقبل. وهذه مهمة تبدو أكثر صعوبة مع كل سنة تمر، خصوصا في ظل التحولات الاجتماعية والثقافية التي يعيشها الشباب الصحراوي، والانفتاح المتزايد على العالم، وتنامي الفجوة بين الخطاب التقليدي للجبهة والواقع الجيوسياسي الجديد.

إن وفاة لحبيب عبد العزيز تضيف إلى هذه المعضلة بعدا آخر. فالرجل كان بالنسبة إلى جزء من كيان البوليساريو يمثل إمكانية تجديد النخبة القيادية وضخ دماء جديدة داخل مؤسسة تعاني من الشيخوخة السياسية. وبرحيله يتعمق الشعور بأن أزمة الجبهة لم تعد مرتبطة فقط بخياراتها السياسية، بل بقدرتها على ضمان الاستمرارية وإنتاج بدائل قيادية تحظى بالقبول والشرعية داخل بيئتها الاجتماعية. وفي الجهة الأخرى من المشهد، يواصل المغرب تعزيز موقعه الإقليمي والدولي عبر استراتيجية تقوم على تراكم الإنجازات لا على إدارة الأزمات فقط. فقد اختارت المملكة أن تجعل من الزمن حليفا لها، وأن تراهن على منطق البناء التدريجي للمشروعية السياسية والاقتصادية والدبلوماسية. وبينما ظلّت أطراف أخرى أسيرة رهانات الماضي، انخرط المغرب في بناء نموذج تنموي متكامل داخل أقاليمه الجنوبية، وربط هذا النموذج برؤية أوسع تجعل من الصحراء بوابة استراتيجية نحو إفريقيا والأطلسي وفضاء للتكامل الاقتصادي والاستثماري.

لهذا فإن رحيل لحبيب عبد العزيز لا يمكن قراءته فقط باعتباره خسارة شخصية أو تنظيمية داخل البوليساريو، بل باعتباره مؤشراً إضافياً على مرحلة تاريخية تتغير ملامحها بسرعة. إنها لحظة تكشف الفارق بين مشروع استطاع أن يتكيف مع تحولات العالم ويعيد إنتاج نفسه باستمرار، ومشروع آخر ما زال يبحث عن موقعه داخل واقع لم يعد يشبه الظروف التي ولد فيها. فالأمم لا تصنع مكانتها بالخطابات وحدها، بل بقدرتها على قراءة حركة التاريخ والاستجابة لمتطلباتها. واليوم، بينما يواصل المغرب ترسيخ حضوره كقوة استقرار وتنمية وشريك موثوق داخل محيطه الإقليمي والدولي، تبدو بعض الأطروحات الأخرى وكأنها تواجه اختبار الزمن القاسي، حيث لا يبقى في النهاية إلا ما يمتلك القدرة على التجدّد والتكيّف وصناعة المستقبل. وهكذا، فإن أفول نجم داخل مخيمات تندوف لا يسلّط الضوء على مصير رجل واحد فحسب، بل يكشف عن مفترق طرق تاريخي بين من ما زال يحاول استعادة زمن مضى، ومن اختار أن يبني زمنه القادم بثقة وثبات ورؤية دولة تعرف جيدا إلى أين تتجه.

📲 Partager sur WhatsApp

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *