تصدع جيواستراتيجي بين باريس وتل أبيب؟

بقلم زكية لعروسي. باريس

في التاريخ لحظات تبدو صغيرة في ظاهرها، لكنّها في الحقيقة تشبه تلك الشقوق الدقيقة التي تسبق انهيار الجبال. قرار فرنسا منع إسرائيل من عرض منظوماتها الهجومية في معرض “يوروساتوري” العسكري بباريس ليس مجرد خلاف تجاري حول منصات صواريخ أو رادارات أو عقود تسليح بمليارات الدولارات. إنه حدث يكشف شيئا أعمق بكثير. شيئا يتحرك تحت جلد النظام الدولي. شيئا يشبه الزلزال الصامت الذي لا يسمعه أحد إلا بعد أن تبدأ الجدران في التشقق. السؤال الحقيقي ليس لماذا منعت فرنسا إسرائيل؟ السؤال الحقيقي هو: ماذا أصبحت إسرائيل بالنسبة لفرنسا؟ وماذا أصبحت فرنسا بالنسبة لإسرائيل؟

لطالما قيل إنّ السياسة هي فن إدارة المصالح. لكنّ الفيلسوف الألماني كارل شميت كان يرى أنّ جوهر السياسة ليس المصالح بل تحديد العدو والصديق. ومن هذه الزاوية يبدو أنّ الخلاف الحالي يتجاوز الاقتصاد والدبلوماسية. فباريس لا تستهدف مجرد شركة إسرائيلية. وتل أبيب لا تدافع فقط عن حقّها في عرض أسلحة. ما يجري هو صراع حول تعريف الشرعية نفسها. من يملك الحقّّ في استخدام القوة؟ ومن يملك الحق في تسويقها؟ ومن يملك سلطة الحكم الأخلاقي على الحروب؟

بعد حرب غزة وما تلاها من توسّع المواجهات في لبنان وسوريا والبحر الأحمر، وجدت أوروبا نفسها داخل مأزق فلسفي وسياسي غير مسبوق. طوال عقود رفعت أوروبا راية حقوق الإنسان. لكنّها في الوقت نفسه ظلّت واحدة من أكبر مصدري السلاح في العالم. هنا تظهر المفارقة الكبرى. فإذا كانت الأسلحة الإسرائيلية فعّالة لأنّها اختُبرت في ساحات القتال، كما تقول تل أبيب، فإن السؤال الأخلاقي يصبح أكثر إزعاجا: هل تتحول الحروب الحديثة إلى معارض تجريبية للصناعات العسكرية؟ وهل يصبح المدنيّون جزءا من دورة إنتاج القيمة الاقتصادية؟ هذا السؤال ليس موجّها لإسرائيل وحدها. إنّه يطال المنظومة العسكرية الغربية بأكملها. فهل تخشى فرنسا السلاح الإسرائيلي أم نجاحه؟ ثمة سؤال لا يجرؤ كثيرون على طرحه. ماذا لو كانت القضية تجاريّة بقدر ما هي سياسية؟ إسرائيل أصبحت خلال السنوات الأخيرة قوّة تكنولوجية عسكرية هائلة. الطائرات المسيّرة. الذكاء الاصطناعي العسكري. أنظمة الاعتراض الصاروخي. الحرب السيبرانية. الاستشعار الفضائي. كلّها قطاعات تشهد فيها الصناعة الإسرائيلية صعودا متسارعا. وفي المقابل تواجه الصناعات الدفاعية الأوروبية منافسة شرسة. من هنا يظهر احتمال لا تتحدث عنه البيانات الرسمية: هل يمثل السّلاح الإسرائيلي تهديدا للسوق الأوروبية أكثر مما يمثل تهديدا للقيم الأوروبية؟ السؤال يبدو مستفزا. لكنه مشروع. وفي الجغرافيا السياسية لا توجد أسئلة محرمة.

لفهم ما يحدث ينبغي العودة إلى الجنرال شارل ديغول. ديغول كان يرى أن فرنسا لا يجب أن تكون تابعا لأيّ قوة مهما بلغت. لا لواشنطن. ولا لموسكو. ولا لأيّ مركز آخر. هذا الإرث ما زال يسكن العقل الاستراتيجي الفرنسي. ومن هنا يمكن فهم جزء من السلوك الفرنسي الحالي. باريس تحاول أن تقول للعالم: نحن لسنا ملحقا بالسياسة الأمريكية في الشرق الأوسط. لدينا رؤيتنا الخاصة. ومصالحنا الخاصة. وخطوطنا الحمراء الخاصة. لكن السؤال: هل تملك فرنسا اليوم القوة التي امتلكها ديغول حين أعلن استقلال القرار الفرنسي؟ أم أنها تحاول ممارسة دور أكبر من وزنها الفعلي داخل نظام دولي يتجه نحو القطبية الصلبة؟

من جهة أخرى تبدو إسرائيل وكأنّها تمر بتحوّل استراتيجي عميق. في العقود السابقة كانت تبحث عن الاعتراف. أمّا اليوم فهي تبحث عن الهيمنة التكنولوجية. إنّها لم تعد مجرّد دولة تدافع عن حدودها. بل أصبحت منتجا عالميا للأمن. تبيع الخبرة. وتبيع البرمجيّات. وتبيع أنظمة الحرب. وتبيع المعرفة المستخرجة من ساحات القتال. وهنا تكمن المشكلة. كلما زادت قيمة هذه الصناعة، زادت حساسية أي محاولة لتقييدها. فما الذي لا يقال؟ في السياسة غالبا ما تكون الحقيقة مختبئة في المساحات الفارغة بين الكلمات. هناك أسئلة لم تطرح بعد: هل يمثل القرار الفرنسي بداية سياسة أوروبية جديدة تجاه إسرائيل؟ أم أنّه مجرد رسالة تكتيكية مرتبطة بظروف الحرب الحاليّة؟ هل يمكن أن تتوسع القيود لتشمل أسواقا أوروبية أخرى؟ هل ستردّ إسرائيل عبر إعادة ترتيب تحالفاتها الدّفاعية نحو آسيا والهند والخليج؟ هل يتحوّل الخلاف التجاري إلى أزمة استخباراتية؟ هل تتأثر مشاريع التعاون في الذكاء الاصطناعي العسكري؟ هل نحن أمام شرخ داخل المعسكر الغربي نفسه؟

الفيلسوف الفرنسي جان بودريار كان يقول إن العالم الحديث يعيش داخل الصور أكثر مما يعيش داخل الوقائع. والصورة التي تتشكل اليوم خطيرة. للمرة الأولى منذ سنوات طويلة يبدو الغرب وكأنّه يفقد وحدة السردية. فرنسا تتحدث بلغة. إسرائيل بلغة أخرى. واشنطن بلغة ثالثة. الأمم المتحدة بلغة رابعة. وعندما تتعدد اللغات داخل المنظومة نفسها تبدأ التصدعات العميقة بالظهور. ربما لن يتذكّر المؤرّخون بعد عقود عدد الأجنحة التي أغلقت في معرض باريس. لكنّهم قد يتذكّرون شيئا آخر. أن لحظة منع إسرائيل من عرض أسلحتها في قلب أوروبا كانت واحدة من العلامات الأولى على تحوّل كبير داخل البنية الاستراتيجية للغرب. لأنّ المعارض العسكرية لا تعرض الأسلحة فقط. إنّها تعرض موازين القوى. وعندما يمنع سلاح من الدخول إلى القاعة، فقد يكون السبب أحيانا أنّ المعركة الحقيقية تدور خارجها. في الممرّات الخفية للنفوذ. وفي الأسواق العالمية. وفي العقول التي تعيد تعريف القوّة نفسها في القرن الحادي والعشرين.

📲 Partager sur WhatsApp

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *