وجهة نظر مواطن مغربي مغترب
بقلمالإعلامي حيمري البشير, كوبنهاغن- الدنمارك
كمواطن مغربي عاش خارج الوطن أكثر من ثلاثين سنة، وعايش في مجتمع غربي ترسخت فيه قيم المشاركة والمساءلة وربط المسؤولية بالمحاسبة، أتابع التحولات التي يعرفها المغرب بكثير من الاهتمام، وبقدر كبير من الاعتزاز بما تحقق في بلادنا من مشاريع كبرى وطموحات تنموية يقودها الملك محمد السادس. غير أن هذا الطموح الوطني الكبير يطرح، في المقابل، سؤالا لا ينبغي تأجيله: هل تملك الحياة السياسية المغربية النخب القادرة على مواكبة هذا التحول وتنزيله بالكفاءة والنجاعة والجرأة المطلوبة؟ انتخابات 23 شتنبر 2026 أعادت رسم الخريطة البرلمانية. فقد تصدر حزب الأصالة والمعاصرة النتائج بـ97 مقعدا، يليه التجمع الوطني للأحرار بـ66، ثم الاستقلال بـ65، فالعدالة والتنمية بـ54 مقعداً. لكن الرقم الأكثر دلالة، في نظري، ليس عدد المقاعد وحده، وإنما نسبة المشاركة التي لم تتجاوز 38.08%، مقابل 50.86% سنة 2021 و42.27% سنة 2016.
المفارقة التي تستحق أن نتوقف عندها
إذا كانت الانتخابات هي الأداة الديمقراطية التي تمنح الشرعية السياسية، وإذا كانت الأحزاب تعتبر الوصول إلى البرلمان والحكومة مدخلا لخدمة المواطنين وتنفيذ البرامج، فلماذا يتراجع عدد الذين يذهبون إلى صناديق الاقتراع، بينما يزداد التنافس داخل النخب السياسية على المقاعد والمواقع والمسؤوليات؟ السؤال ليس موجها إلى حزب بعينه، ولا إلى مرشح بعينه، وإنّما إلى المنظومة السياسية برمتها. فالكرسي السياسي لا قيمة له في ذاته. قيمته تأتي من المسؤولية التي يحملها، ومن القدرة على تحويله إلى وسيلة لخدمة المواطن، وصيانة المال العام، وتحقيق التنمية، ومراقبة السياسات العمومية. وإذا أصبح الوصول إلى الكرسي غاية مستقلة عن هذه الوظيفة، فإن السياسة تفقد جزءا من معناها، وتتحول الانتخابات تدريجيا من منافسة على البرامج إلى منافسة على المواقع. وهنا تكمن إحدى أخطر مفارقات المشهد المغربي: المواطن الذي يفقد الحماس للمشاركة لا يعني بالضرورة أنه فقد الاهتمام بمستقبل بلاده؛ قد يكون، في حالات كثيرة، قد فقد الثقة في قدرة السياسة الحزبية على إحداث الفرق الذي ينتظره. وهذا فرق جوهري. فالعزوف الانتخابي لا ينبغي أن يُقرأ تلقائيا باعتباره رفضا للديمقراطية، كما لا ينبغي اعتباره تصويتا عقابيا بشكل آلي. إنه قبل كل شيء إشارة سياسية تستحق أن تصغي إليها الأحزاب والنخب بجدية.
إذا لم تكن الانتخابات مهمة، فلماذا كل هذا الصراع؟
هذا هو السؤال الذي أراه أكثر إلحاحا اليوم. إذا كانت بعض النخب تتحدث، في لحظات مختلفة، عن محدودية أثر الانتخابات، وعن أن نتائجها لا تغير كثيرا من واقع الحياة اليومية للمواطن، وعن ضعف قدرة المؤسسات المنتخبة على إحداث التحول المنشود، فلماذا هذا التهافت الكبير على المقاعد والمواقع والحقائب؟ أما إذا كانت الانتخابات مهمة فعلا، فلماذا لا تكون المشاركة الشعبية هي الهاجس الأول للأحزاب؟ لا يمكن أن نطلب من المواطن أن يؤمن بقيمة صوته، بينما لا يشعر دائماً بأن صوته يصنع فرقاً واضحاً في السياسات والقرارات. الديمقراطية ليست يوم اقتراع فقط. الديمقراطية تبدأ قبل الصندوق، بالبرامج، والاختيارات، والقدرة على الإقناع؛ وتمتد بعد الصندوق إلى المحاسبة، والشفافية، وربط المسؤولية بالنتائج. ومن هنا، فإن انخفاض المشاركة لا ينبغي أن يكون مناسبة لتبادل الاتهامات بين المواطنين والأحزاب، بل مناسبة لمراجعة عميقة داخل الأحزاب نفسها: لماذا لم نستطع إقناع عدد أكبر من المغاربة بأن مشاركتهم ستحدث فرقاً؟
تغيير الخريطة لا يعني بالضرورة تغيير الثقافة السياسية
أفرزت الانتخابات الحالية تحولات واضحة في توزيع المقاعد، وتصدر حزب الأصالة والمعاصرة النتائج، مع عودة قوية لحزب العدالة والتنمية إلى البرلمان مقارنة بنتيجته السابقة، وتراجع عدد من الأحزاب مقارنة بانتخابات 2021. لكن تغيير الأرقام لا يعني بالضرورة أن الثقافة السياسية تغيرت بالعمق نفسه. المطلوب ليس فقط تداول الأحزاب على المقاعد، وإنما تداول الأفكار والبرامج والمسؤوليات والنتائج. فالمغرب الذي يستعد لاستحقاقات كبرى، ويطمح إلى تسريع التنمية، ويواجه تحديات الماء والتشغيل والتعليم والصحة والتحول الرقمي والذكاء الاصطناعي والبنية التحتية، ويستعد لاستحقاقات رياضية وتنموية ضخمة، لا يحتاج فقط إلى حكومة تحصل على أغلبية برلمانية، وإنّما إلى حكومة تستطيع أن تحول القرارات إلى نتائج ملموسة. المواطن في نهاية المطاف لا يسأل فقط: من سيحكم؟ بل يسأل: ماذا سيتغير في حياتي؟
امرأة أم رجل؟ السؤال الحقيقي أكبر من ذلك
من الطبيعي أن يثير تصدر الأصالة والمعاصرة النتائج نقاشاً حول الشخصية التي يمكن أن تقود المشاورات الحكومية، وأن تظهر أسماء مثل فاطمة الزهراء المنصوري وفوزي لقجع في النقاش العام. لكن تحويل المسألة إلى منافسة شخصية بين امرأة ورجل قد يختزل قضية دستورية وسياسية ومؤسساتية معقدة في سؤال رمزي. المنصوري نفسها نفت وجود سباق بينها وبين لقجع، مؤكدة أن العلاقة بينهما تقوم على التكامل، وأن قرار التعيين يعود إلى الملك. أما الدستور، فهو الذي يرسم الإطار الذي يجب أن يحكم هذه المرحلة، وليس التكهنات الإعلامية ولا الرغبات الشخصية. لذلك، لا ينبغي أن يكون السؤال: هل تقود الحكومة امرأة أم رجل؟ بل: من يملك القدرة والكفاءة والخبرة السياسية والمؤسساتية على تحمل هذه المسؤولية، ومن يستطيع بناء فريق حكومي متماسك، وتنفيذ الأولويات الوطنية، وتحمل تبعات القرار والمحاسبة؟ فالمغرب لا يحتاج إلى رجل لأنه رجل، ولا إلى امرأة لأنها امرأة؛ يحتاج إلى مسؤول أو مسؤولة تكون الكفاءة والنزاهة والقدرة على الإنجاز هي معيار الاختيار. ويبقى فوزي لقجع، بحكم تجربته في تدبير الشأن المالي والرياضي وحضوره داخل حزب الأصالة والمعاصرة، أحد الأسماء التي أثارت اهتماما في النقاش السياسي بعد الانتخابات، كما أن فاطمة الزهراء المنصوري تشغل موقعا قياديا بارزا داخل الحزب. لكن الحديث عن أي منهما بوصفه رئيسا للحكومة المقبلة يظل، في هذه المرحلة، سابقا لأوانه؛ فمسار تشكيل الحكومة لم يحسم بعد.
وماذا عن مغاربة العالم؟
هذا السؤال يهمني شخصيا. المغاربة المقيمون بالخارج ليسوا مواطنين من درجة ثانية، ولا ينبغي أن يكون حضورهم في النقاش الوطني موسميا. فهم جزء من المغرب، يحملون صورته إلى العالم، ويتابعون تحولات البلاد، ويرتبطون بها اقتصاديا واجتماعيا وعاطفيا. وفي انتخابات 2026، أتيح للمغاربة المقيمين خارج المملكة المسجلين في اللوائح الانتخابية ممارسة التصويت عن طريق الوكالة، عبر منصة إلكترونية مخصصة لذلك. لكن هذه الآلية تختلف عن المشاركة المباشرة من بلد الإقامة، وهو نقاش مؤسساتي وسياسي يستحق أن يبقى مفتوحا حول أفضل السبل لضمان مشاركة فعلية ومستدامة لمغاربة العالم في الحياة الديمقراطية الوطنية.
المغرب يحتاج إلى نخب بحجم المرحلة
ما حققه المغرب خلال السنوات الماضية من مشاريع وتحولات يجعل سقف انتظارات المغاربة أعلى من أي وقت مضى. لكن المشاريع الكبرى تحتاج إلى مؤسسات قوية، والمؤسسات تحتاج إلى نخب سياسية تمتلك الرؤية والكفاءة والقدرة على تحمل المسؤولية. ولهذا فإن الانتخابات ينبغي ألا تكون مجرد محطة لتوزيع المقاعد، ولا مناسبة لتغيير الأشخاص فوق الكراسي، بل فرصة لتجديد الثقة بين المواطن والمؤسسة والحزب. لقد قال المغاربة كلمتهم عبر صناديق الاقتراع، والنتائج أصبحت معطى دستوريا وسياسيا يجب احترامه. وتبقى المرحلة المقبلة مرتبطة بالمشاورات وبالمسار الدستوري لتشكيل الحكومة الجديدة. لكن الرسالة الأعمق التي تحملها هذه الانتخابات، في نظري، ليست فقط في عدد المقاعد التي حصل عليها هذا الحزب أو ذاك. الرسالة موجودة أيضاً في أولئك الذين لم يذهبوا إلى صناديق الاقتراع.
وهؤلاء لا يجوز التعامل معهم باعتبارهم مجرد أرقام غائبة. إنهم جزء من السؤال الديمقراطي نفسه. فإذا كانت الأحزاب تريد الكراسي، فعليها أولاً أن تقنع المواطن بأن الكرسي هو أمانة؛ وأن المنصب ليس غنيمة، وإنّما مسؤولية؛ وأن الانتخابات ليست طريقا إلى السلطة فقط، وإنما عقدا سياسيا وأخلاقيا مع المواطن. يبقى السؤال الأكثر صدقا: إذا كانت الانتخابات لا تغير شيئا في نظر بعض النخب، فلماذا كل هذا الصراع من أجلها؟ وإذا كانت الكراسي لا قيمة لها إلا بما تقدمه للوطن، فلماذا يبدو الصراع عليها أحياناً أكبر من الصراع على البرامج والنتائج؟ ذلك هو السؤال الذي ينبغي أن يفتح، لا أن يغلق، النقاش حول مستقبل الديمقراطية المغربية. فالمغرب لا يحتاج فقط إلى من يفوز في الانتخابات، بل إلى من يثبت، بعد الفوز، أن المسؤولية تستحق الثقة التي مُنحت له.
