في حرب المضائق الجديدة، تحسم المعركة بمن يملك السماء والبيانات وشبكة الاستهداف
بقلم د. عبد الرحمان مكاوي-باريس
الحرب الحديثة لها مفارقة قاسية: قد لا يحتاج الجيش الأمريكي إلى إطلاق رصاصة كي يغيّر نتيجة معركة. في باب المندب، إذا صحت التقارير المتداولة عن استعادة القوات الحكومية اليمنية أجزاء واسعة من ذوباب وتقدمها باتجاه المخا، فإن ما يبدو ظاهريا هجوما بريا يروي قصة أخرى في العمق: قصة حرب تُدار من الفضاء، عبر الأقمار الصناعية والاستخبارات والإشارات والاتصالات الآمنة، قبل أن تصل إلى الأرض. وهذا هو المعنى الأهم لمعركة اليوم. المعركة على باب المندب ليست فقط معركة على مضيق؛ إنها معركة على من يملك القدرة على رؤية المضيق.
المضيق الذي أصبح أكبر من اليمن
لم يعد باب المندب قضية يمنية. ففي عالم مضطرب تتقاطع فيه الحرب على هرمز مع أمن الطاقة الخليجي، تصبح كل سفينة تمر عبر البحر الأحمر جزءا من معادلة استراتيجية أوسع. المضيق، الذي لا يتجاوز عرضه في أضيق مناطقه نحو 32 كيلومترا، هو في الواقع بوابة بين أسواق وممرات بحرية تمتد من آسيا إلى أوروبا. والسيطرة عليه لا تعني فقط التحكم في قطعة من الجغرافيا اليمنية؛ بل امتلاك القدرة على فرض كلفة على التجارة العالمية. وهنا تكمن أهمية المخا وذوباب وبريم. هذه ليست مجرد بلدات ومواقع عسكرية. إنها مفاتيح لشبكة الملاحة. إذا استطاعت جماعة مسلحة أن تهدد هذا المحور، فإنها لا تحتاج إلى امتلاك بحرية كبيرة كي تفرض تأثيرا دوليا. يكفي أن تجعل المرور مكلفا، أو غير متوقع، أو خطيرا.ولهذا فإن كل متر من الساحل الغربي لليمن يساوي أكثر من قيمته على الخريطة.
الانتصار الذي يبدأ قبل أن تبدأ المعركة
إذا كان الدعم الاستخباراتي الأمريكي للقوات المناهضة للحوثيين قائما بالمستوى الذي تشير إليه التقارير، فإن الحديث عن «الدعم الأمريكي» يحتاج إلى إعادة تعريف. فالولايات المتحدة لا تحتاج بالضرورة إلى نشر كتيبة مشاة حتى تؤثر في المعركة. يكفي أن توفر ما هو أكثر قيمة من الجنود في حرب الشبكات: المعلومة. القمر الصناعي يرى. الاستخبارات تفسر. الاتصالات تنقل. القيادة تقرر. والطائرة تنفذ. هذه هي السلسلة التي تصنع التفوق العسكري الحديث. ولهذا فإن وجود عسكريين أمريكيين متخصصين في الفضاء والحرب الإلكترونية والاستخبارات، حتى لو كان عددهم محدودا، يمكن أن يكون أكثر أهمية من وجود آلاف الجنود التقليديين. العدد هنا مضلل. فمئة خبير قادرين على تشغيل شبكة استخبارات واستهداف قد يغيرون سلوك عشرات الآلاف من المقاتلين. وهذه تحديدا هي طبيعة القوة الأمريكية التي لا تظهر بسهولة في الصور.
أمريكا لا تريد الحرب، لكنها لا تريد خسارتها
إذا صحت التقارير عن رفض واشنطن الانخراط القتالي المباشر، فإن هذا لا ينبغي تفسيره على أنه تراجع أمريكي. بل هو على الأرجح شكل أكثر ذكاء من أشكال المشاركة. الولايات المتحدة تريد حماية حرية الملاحة، وأمن الشركاء، واستقرار تدفقات الطاقة، من دون أن تجد نفسها في حرب برية جديدة في الشرق الأوسط. لذلك يصبح الخيار المنطقي هو: تمكين الحلفاء من القتال، مع الاحتفاظ بالقدرات التي تجعل قتالهم أكثر فاعلية. إنها صيغة سياسية جذابة لواشنطن. لا جنود أمريكيون في الخنادق، لكن الأقمار الصناعية فوقها. لا طائرات أمريكية بالضرورة في كل غارة، لكن بيانات الاستهداف يمكن أن تمر عبر منظومة أمريكية. لا إعلان حرب، لكن لا انسحاب من الحرب أيضا. وهذا هو الشكل الجديد للقوة الأمريكية: بصمة عسكرية أصغر، وتأثير استخباراتي أكبر.
الحرب التي لا يراها أحد
الأخطر في حرب باب المندب ليس ما يظهر على شاشات التلفزيون. إنّه ما يحدث خلفها. فالحرب الإلكترونية والاستخبارات الفضائية واعتراض الاتصالات والتضليل الرقمي أصبحت طبقات متداخلة من المعركة. إذا كان الخصم يستطيع أن يجعل قائدا يصدق أمرا لم يصدر أصلا، أو يدفع وحدة عسكرية إلى الانسحاب عبر تسجيل صوتي مزيف، فإنه يستطيع إحداث أثر عسكري من دون تدمير دبابة واحدة. وهنا يصبح الذكاء الاصطناعي سلاحا جديدا في حرب قديمة: الحرب على الثقة. لم يعد السؤال فقط: هل المعلومة صحيحة؟ بل: هل الشخص الذي أصدرها هو فعلا من يزعم أنه هو؟ وهذا يفتح بابا خطيرا أمام الجيوش التي تعاني أصلا من ضعف الاتصالات وانقسام مراكز القرار. في مثل هذه البيئة، قد تكون الفوضى المعلوماتية أخطر من نقص الذخيرة.
جيبوتي: حين يصبح المضيق مختبرا للقوة الكبرى
وعلى الجانب الآخر من باب المندب، تبرز جيبوتي بوصفها واحدة من أكثر النقاط حساسية في النظام الأمني الدولي. هناك تتقاطع المصالح الأمريكية والصينية والفرنسية واليابانية وغيرها في مساحة جغرافية صغيرة. والتقارير عن تطور قدرات الصين في مجال الاتصالات الفضائية والاستخبارات والمراقبة والقيادة والسيطرة داخل قاعدتها في جيبوتي تكشف الاتجاه الحقيقي للصراع. إنها ليست منافسة على قاعدة عسكرية فحسب. إنها منافسة على الوعي بالمسرح. من يرى السفينة أولا؟ من يلتقط الإشارة أولا؟ من يعرف أن طائرة أقلعت قبل أن تصل إلى مجال الرؤية؟ من يستطيع حماية اتصالاته؟ ومن يستطيع تعطيل اتصالات خصمه؟ في حرب المضائق، هذه الأسئلة قد تكون أهم من عدد القطع البحرية التي ترسو في الموانئ.
هرمز وباب المندب: أزمة واحدة لا أزمتان
أكبر خطأ استراتيجي هو التعامل مع هرمز وباب المندب كأزمتين منفصلتين. إنهما طرفان في المعادلة نفسها. كلما ارتفع خطر هرمز، ازدادت أهمية البحر الأحمر. وكلما أصبح البحر الأحمر أكثر هشاشة، ازدادت كلفة الاعتماد على البدائل. لهذا فإن الصراع حول باب المندب لا يتعلق باليمن وحده، ولا حتى بالسعودية وحدها. إنه يتعلق بمرونة الاقتصاد العالمي. النفط، الحاويات، التأمين البحري، الموانئ، الطيران، سلاسل الإمداد … كلها تتأثر عندما تصبح المضائق غير قابلة للتنبؤ. وقد لا تحتاج جماعة مسلحة إلى إغلاق مضيق كامل. يكفي أن تجعل شركات الشحن تتساءل: هل يستحق المرور هنا المخاطرة؟ إذا كانت الإجابة «لا»، فقد حققت هدفها الاستراتيجي من دون السيطرة على المضيق بالكامل.
المشكلة التي ستأتي بعد الانتصار
لكن هنا تبدأ المفارقة. حتى إذا استعادت القوات الحكومية المخا وباب المندب، فإن المشكلة الأساسية لن تكون قد انتهت. سيكون قد تم استرداد الأرض، لا بالضرورة تأمينها. فالقدرة على إطلاق المسيرات والصواريخ من العمق تستطيع أن تحول ميناء محررا إلى هدف دائم، ومطارا مستعادا إلى منشأة مهددة، وممرا بحريا مفتوحا إلى منطقة خطر. وهذا يعني أن الدفاع عن باب المندب لا يمكن أن يكون عملية برية فقط. إنه يحتاج إلى: رؤية مستمرة، ودفاع جوي، وأمن إلكتروني، وحماية للموانئ، وتأمين للاتصالات، ومراقبة بحرية، وقبل كل ذلك تسوية سياسية تمنع إعادة إنتاج الحرب. والأخيرة هي الأصعب.
القوة الأمريكية لها حدود
هناك إغراء دائم في الشرق الأوسط للاعتقاد بأن التكنولوجيا تستطيع حل السياسة. لا تستطيع. الأقمار الصناعية يمكنها تحديد موقع الهدف، لكنها لا تستطيع تحديد شكل الدولة التي ستنشأ بعد الحرب. والاستخبارات تستطيع كشف تحرك القوات، لكنها لا تستطيع توحيد قيادة منقسمة. والدعم الجوي يستطيع فتح الطريق، لكنه لا يستطيع وحده بناء نظام سياسي قادر على الاحتفاظ بالأرض. وهنا تكمن المخاطرة في استراتيجية الاعتماد المفرط على التفوق الأمريكي. قد تكون واشنطن قادرة على منح شركائها تفوقا معلوماتيا مؤقتا. لكنها لا تستطيع أن تمنحهم إلى الأبد القدرة على إدارة صراع سياسي لا يريد أن ينتهي.
باب المندب هو الاختبار
لهذا فإن معركة أكتوبر ليست مجرد فصل آخر في الحرب اليمنية. إنها اختبار لنموذج كامل من القوة. نموذج يقول إن الولايات المتحدة تستطيع أن تقلص وجودها المباشر، من دون أن تتخلى عن القدرة على تشكيل ساحة المعركة. ونموذج آخر، صيني بصورة متزايدة، يرى أن السيطرة على البنية التحتية والموانئ والاتصالات والمعلومات لا تقل أهمية عن القوة البحرية التقليدية. وبين النموذجين، يقف باب المندب. المضيق ضيق. لكن المنافسة عليه عالمية.
الخاتمة: من يملك السماء؟
إذا كانت استعادة ذوباب والمخا قد حدثت بالفعل بالصورة التي تصفها التقارير، فإنها ستكون انتصارا عسكريا مهما. لكن التاريخ لن يتذكر العملية بسبب عدد الكيلومترات التي استعيدت. سيتذكرها بسبب السؤال الذي كشفت عنه: هل أصبحت الحروب تحسم قبل أن تصل إلى ساحة المعركة؟ في باب المندب، الإجابة تقترب من نعم. لأن من يملك القمر الصناعي يرى الحركة قبل أن تبدأ. ومن يملك الاتصالات يستطيع أن ينسق القوة. ومن يملك الحرب الإلكترونية يستطيع أن يعمي الخصم. ومن يملك شبكة الاستهداف يستطيع أن يحول المعلومة إلى نار. ولهذا فإن الولايات المتحدة لا تحتاج، بالضرورة، إلى أن تكون صاحبة أكبر قوة على شاطئ البحر الأحمر. يكفي أن تكون صاحبة أفضل صورة للمشهد. لكن ذلك لا يجعل باب المندب آمنا. فالانتصار التكتيكي يمكن أن يفتح المضيق اليوم، بينما يبقى الصراع قادرا على إغلاقه غدا. وهذه هي الحقيقة التي ينبغي أن تقلق العواصم أكثر من غيرها: في القرن الحادي والعشرين، قد لا يكون أخطر من يملك المضيق هو من يسيطر على الأرض، بل من يستطيع أن يرى كل شيء يتحرك حوله قبل أن يراه الآخرون. وفي حرب المضائق، من يملك السماء لا يملك المضيق فقط؛ بل يملك حق تعريف ما يحدث فيه.
