ما بعد أخنوش: حين تفقد السياسة ثقة المواطن

بقلم الإعلامي حيمري البشير, بركان- المغرب

مع اقتراب الاستحقاقات البرلمانية المقبلة، يعود النقاش السياسي في المغرب إلى الواجهة، وتستعد الأحزاب لإعادة ترتيب أوراقها، وتقديم برامجها، وتجديد خطابها، واستعادة حضورها في المشهد العام. غير أن السؤال الذي ينبغي أن يسبق كل هذا الحراك ليس: ماذا ستقول الأحزاب للناخبين؟ بل: ماذا بقي من ثقة الناخبين في الأحزاب، وفي المؤسسات المنتخبة، وفي جدوى المشاركة السياسية نفسها؟ ذلك أن أزمة السياسة في المغرب لم تعد، في تقديري، مجرد أزمة برامج انتخابية أو ضعف في التواصل السياسي، وإنما أصبحت أعمق من ذلك بكثير؛ إنها أزمة ثقة، وأزمة مصداقية، وأزمة علاقة بين المواطن والمؤسسات التي يفترض أن تمثله وتدافع عن مصالحه. ومع انتهاء ولاية حكومة عزيز أخنوش، لا ينبغي أن ينحصر النقاش في حصيلة الحكومة وحدها، رغم أهمية تقييمها ومساءلتها، وإنما ينبغي أن يمتد إلى سؤال أوسع يتعلق بمسار الممارسة السياسية والانتخابية برمتها: ماذا تحقق للمواطن؟ وماذا تغير في حياته اليومية؟ وهل استطاعت المؤسسات المنتخبة، وطنية ومحلية، أن تستعيد ثقة الناس في العمل السياسي؟

فالسياسة ليست فقط بعدد المشاريع التي تُعلن، ولا بعدد البرامج التي تُقدم في الحملات الانتخابية، وإنما هي أساسا بما يلمسه المواطن في حياته اليومية: في المدرسة والمستشفى، في الإدارة والشارع، في النقل والسكن، في فرص العمل، وفي جودة الخدمات العمومية، وفي شعوره بأن المال العام يُدبر بحكمة ونزاهة، وأن المسؤول العمومي يخضع للمساءلة حين يخطئ أو يفشل. ومن هنا تبدو المشكلة أكثر تعقيدا. لقد أصبح قطاع واسع من المغاربة ينظر إلى الانتخابات بكثير من الفتور والشك. وليس الشباب وحدهم من ابتعد عن السياسة؛ فالإحباط بدأ يتسع داخل شرائح اجتماعية مختلفة، لأن المواطن حين يشارك في الانتخابات ولا يرى بعد ذلك أثرا واضحا لصوته في واقعه، يبدأ تدريجيا في التساؤل عن جدوى المشاركة نفسها. وهذه أخطر نقطة يمكن أن يصل إليها أي نظام سياسي ديمقراطي: حين لا يعود المواطن غاضبًا من السياسة فقط، بل يصبح غير مبالٍ بها. فالغضب يعني أن هناك مواطنا ما زال ينتظر التغيير، أما اللامبالاة فتعني أن الأمل نفسه بدأ يتراجع.

لقد عرفت المدن المغربية، خلال السنوات الماضية، إنفاقا عموميا كبيرا على مشاريع وبرامج متعددة، لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم، بكل هدوء ومسؤولية، هو: هل كانت النتائج في مستوى الأموال التي صُرفت؟ وهل جرى تقييم أداء المجالس المنتخبة السابقة تقييما جديا؟ ومن يتحمل مسؤولية الاختلالات حين تكون النتائج دون مستوى الانتظارات؟ ليس المطلوب إطلاق الأحكام جزافا، ولا تحويل النقاش إلى محاكمة سياسية جماعية، وإنما المطلوب شيء أكثر بساطة وأشد أهمية: المساءلة. فالمساءلة ليست انتقاما من المسؤولين، كما أنها ليست تشكيكا في المؤسسات؛ بل هي جوهر الديمقراطية. والمسؤول الذي تولى تدبير الشأن العام يجب أن يكون مستعدا لتقديم الحساب للرأي العام، تماما كما أن المواطن مطالب بتحمل مسؤوليته حين يختار من يمثله.

لقد أمضيت جزءا من عطلتي الصيفية متنقلا بين عدد من المدن المغربية، وكان مؤلما أن أجد أن كثيرا من المشاكل التي عرفتها هذه المدن ما تزال قائمة، رغم تعاقب المجالس والبرامج والوعود. وفي أحاديثي مع عدد من المنتخبين، كما في نقاشاتي مع المواطنين، ظل سؤال واحد حاضرا بقوة: لماذا لم تتغير أشياء كثيرة إلى الأفضل رغم مرور سنوات على تولي هذه المجالس مسؤولية تدبير المدن؟ إن مقارنة المدن المغربية ببعض المدن الأوروبية التي يعيش فيها عدد كبير من مغاربة العالم ليست بالضرورة مقارنة عادلة في كل جوانبها، لأن لكل بلد إمكاناته وظروفه وتاريخه، لكنها مع ذلك تطرح سؤالا مشروعا حول الحكامة وجودة الخدمات وربط المسؤولية بالمحاسبة. المواطن المغربي لا يطلب المستحيل. إنه يريد مدينة نظيفة، وطرقا جيدة، ونقلا محترما، وإدارة فعالة، ومساحات عمومية لائقة، ومدارس ومستشفيات تستجيب لحاجاته، وفرصا حقيقية للشباب، ومؤسسات يشعر داخلها بأن كرامته مصانة وأن صوته له قيمة.

وهنا نصل إلى جوهر الأزمة: الأحزاب السياسية لا تستطيع أن تطلب من المواطن أن يثق بها إلى ما لا نهاية، من دون أن تقدم له أسبابًا جديدة لهذه الثقة. فالانتخابات ليست مجرد موسم تتغير فيه اللافتات والصور والشعارات، ثم يعود كل شيء إلى سابق عهده. الديمقراطية الحقيقية تبدأ في اليوم التالي للانتخابات، حين يتحول البرنامج الانتخابي إلى التزام، وحين يصبح المنتخب مسؤولا أمام المواطنين، وحين تخضع القرارات والميزانيات والمشاريع للتتبع والتقييم. أما أن يصبح التصويت غاية في حد ذاته، فذلك يفرغ العملية الديمقراطية من مضمونها. والأخطر من ذلك هو أن تتحول الانتخابات إلى سوق انتخابية تُستعمل فيها الولاءات الشخصية والوعود الظرفية واستمالة الناخبين، بدل أن تكون منافسة بين مشاريع سياسية واضحة وبرامج قابلة للقياس والمحاسبة.

إن محاربة هذه الممارسات لا يمكن أن تكون مسؤولية الدولة وحدها، ولا الأحزاب وحدها، ولا القضاء وحده؛ إنها مسؤولية جماعية. المواطن نفسه مطالب بأن يرفض بيع صوته، والحزب مطالب بأن يرفض شراء الولاء، والمنتخب مطالب بأن يفهم أن المقعد الانتخابي ليس ملكية شخصية، بل تكليف مؤقت من المواطنين. ومن هنا، فإن الانتخابات المقبلة ينبغي ألا تكون مجرد محطة انتخابية جديدة، بل فرصة لإعادة بناء العلاقة بين المواطن والسياسة. والسؤال الحقيقي الذي ينبغي أن يطرح نفسه أمام كل مرشح هو: ماذا قدمت خلال ولايتك السابقة؟ وما الذي لم تنجزه؟ ولماذا؟ وكم كلفت المشاريع التي أشرفت عليها؟ وما نتائجها؟ وكيف يمكن للمواطن أن يقيس نجاحك أو فشلك؟

هذه هي الأسئلة التي يمكن أن تجعل من الانتخابات مناسبة للمحاسبة، لا مجرد مناسبة لتجديد الوجوه. كما أن الأحزاب مطالبة اليوم بأن تعيد النظر في طريقة صناعة نخبها. فالمغرب يحتاج إلى نخب سياسية جديدة، لا بمعنى السن فقط، وإنما بمعنى الثقافة السياسية، والنزاهة، والكفاءة، والقدرة على الإصغاء، والاستعداد لتحمل المسؤولية، والإيمان بأن الشأن العام ليس طريقًا للامتيازات، وإنما مجال لخدمة المواطنين. لقد تغير المجتمع المغربي كثيرا، بينما ما تزال بعض الممارسات السياسية أسيرة منطق قديم. الشباب المغربي اليوم أكثر اطلاعا، وأكثر قدرة على المقارنة، وأكثر اتصالا بما يجري في العالم. ولذلك لم يعد من السهل إقناعه بالشعارات وحدها. إنه يريد نتائج، ويريد شفافية، ويريد أن يرى المسؤول يخضع للقانون نفسه الذي يخضع له المواطن، ويريد مؤسسات تستحق ثقته. ولذلك فإن عزوف الشباب عن السياسة يجب ألا يُقرأ باعتباره كسلًا سياسيًا أو عدم اهتمام بالشأن العام. في كثير من الحالات، هو رسالة احتجاج صامتة على طريقة ممارسة السياسة. وحين ينسحب المواطن من صناديق الاقتراع، ينبغي ألا يكون السؤال فقط: لماذا لم يصوت؟ بل ينبغي أن نسأل أيضًا: ماذا فعلنا حتى نمنحه سببًا مقنعًا للتصويت؟

إن الديمقراطية لا تُبنى فقط بالقوانين والمؤسسات، وإنما تُبنى أيضًا بالثقة. وحين تتآكل الثقة، تصبح المؤسسات نفسها معرضة لفقدان جزء من مشروعيتها الاجتماعية، مهما كانت قوتها القانونية والدستورية. لهذا فإن المرحلة المقبلة تتطلب أكثر من تغيير الوجوه والشعارات. إنها تحتاج إلى مراجعة عميقة لعلاقة المنتخب بالناخب، والحزب بالمواطن، والمسؤولية بالمحاسبة، والسلطة بالشفافية. أما الوزراء والمسؤولون الذين يغادرون مناصبهم بعد انتهاء ولاياتهم، فإن مغادرة الكرسي ينبغي ألا تعني نهاية الحساب السياسي. الديمقراطية تقتضي تقييم المسؤولية، وقياس النتائج، وتحديد مواطن النجاح والفشل، وتطبيق القانون كلما ثبت وجود مخالفات. فلا أحد فوق المساءلة، ولا ينبغي أن تكون المناصب العامة طريقا إلى حصانة سياسية أو امتياز دائم. وفي المقابل، من الخطأ أيضا اختزال كل المسؤولين والسياسيين في صورة واحدة، لأن التعميم يظلم النزيه كما يظلم الكفء، ويحول النقد السياسي من أداة للإصلاح إلى مجرد خطاب غضب. والمغرب في حاجة اليوم إلى نقد مسؤول يميز بين من اجتهد فأخطأ، ومن عجز، ومن أفسد، ومن نجح، ومن أدى الأمانة كما ينبغي.

إننا أمام مفترق طرق. فإما أن تتحول الانتخابات المقبلة إلى مناسبة لتجديد الثقة في المؤسسات من خلال اختيار نخب أكثر كفاءة ونزاهة، وربط المسؤولية بالمحاسبة، ورفع مستوى المنافسة السياسية من الأشخاص إلى البرامج؛ وإما أن نستمر في إعادة إنتاج المشهد نفسه، فنحصل على النتائج نفسها، ونواصل بعد ذلك الشكوى من ضعف المشاركة ومن فقدان المواطنين ثقتهم في السياسة. المواطن المغربي لا يحتاج إلى خطب جديدة بقدر ما يحتاج إلى أفعال واضحة. ولا يحتاج إلى وعود أكبر، بل إلى وعود قابلة للتحقق والقياس. ولا يحتاج إلى سياسيين يتحدثون باسمه فقط، وإنما إلى منتخبين يشعرون فعلًا بأنهم خدام للشأن العام، لا ملاك له.

إن الانتخابات المقبلة ستكون، بهذا المعنى، اختبارا مزدوجا: اختبارا للناخب في قدرته على الاختيار بعيدا عن المال والولاءات الضيقة، واختبارا للأحزاب في قدرتها على تقديم نخب تستحق ثقة المجتمع. وقد تكون هذه اللحظة فرصة حقيقية لفتح صفحة جديدة، إذا فهم الجميع أن الديمقراطية ليست صندوق اقتراع فقط، وإنما منظومة كاملة من الاختيار والمشاركة والشفافية والرقابة والمساءلة. أما إذا ظل المواطن يرى الانتخابات مجرد محطة تتغير فيها الأسماء بينما تبقى الممارسات نفسها، فإن العزوف سيستمر، وستتسع المسافة بين المجتمع والسياسة، وسيتأجل مرة أخرى ذلك الحلم الذي حمله المغاربة طويلًا: ديمقراطية حقيقية، ومؤسسات قوية، ونخب سياسية تمتلك الكفاءة والنزاهة والضمير الوطني.

والتغيير لا يبدأ من صناديق الاقتراع وحدها. إنه يبدأ قبل ذلك بكثير، من إعادة بناء الثقة. ويبدأ أيضا من قناعة بسيطة: أن الوطن ليس غنيمة، وأن المنصب ليس امتيازا، وأن المال العام ليس مالا بلا صاحب، وأن المواطن ليس مجرد صوت انتخابي يظهر مرة كل بضع سنوات. حين تصبح هذه القناعة جزءا من الثقافة السياسية، يمكن عندها أن نأمل في انتخابات مختلفة، وفي مؤسسات أكثر قوة، وفي مدن أكثر إنصافا، وفي مغرب يستطيع أبناؤه، داخل الوطن وخارجه، أن ينظروا إليه باعتزاز لا بإحباط. فالمغرب لا تنقصه الطاقات، ولا تنقصه الكفاءات، ولا تنقصه الرغبة في الإصلاح؛ ما يحتاجه هو أن تتحول هذه الطاقات والكفاءات إلى مشروع سياسي وأخلاقي حقيقي، وأن يصبح تدبير الشأن العام مسؤولية تُقاس نتائجها، وتُراقب ممارساتها، ويُحاسب أصحابها. وهذا، قبل أي شيء آخر، هو المعنى الحقيقي للديمقراطية.

📲 Partager sur WhatsApp

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *