الجزائر في الساحل: اختبار النفوذ جنوب الصحراء

بقلم د. عبد الرحمن المكاوي-باريس

لم تكن أحداث نيامي في نهاية أغسطس 2026 مجرد تمرد عسكري عابر داخل قاعدة جوية، ولم يكن وصول أربع مقاتلات جزائرية من طراز Su-30إلى العاصمة النيجرية مجرد عملية دعم عسكري لحليف يواجه اضطرابًا داخليًا. ما جرى يحمل في طياته تحولًا أوسع في ميزان القوى داخل الساحل، ويكشف عن انتقال الجزائر من موقع المراقب الحذر والوسيط التقليدي إلى موقع أكثر مباشرة في معادلات الأمن والنفوذ جنوب حدودها. وهنا تحديدا تكمن أهمية اللحظة. ففي 28 و29 أغسطس، شهدت نيامي محاولة تمرد استهدفت مواقع عسكرية حساسة، من بينها قاعدة 101 المحاذية لمطار ديوري حماني، قبل أن تتمكن القوات الموالية للسلطة، مدعومة بعناصر من Africa Corps الروسية، من استعادة السيطرة على القاعدة وإنهاء التمرد. وتؤكد تقارير دولية أن الدعم الروسي كان حاسمًا في احتواء الأزمة. لكن المفاجأة الأكبر جاءت بعد ذلك. في 30 أغسطس، أعلنت وزارة الدفاع الجزائرية رسميًا إرسال أربع طائرات Su-30 إلى النيجر، مرفقة بطائرة للتزود بالوقود، استجابة لطلب السلطات النيجرية، وقد هبطت الطائرات في نيامي في اليوم نفسه. هنا تبدأ القصة الحقيقية. فالطائرات الجزائرية لم تصل إلى النيجر لكي تخوض معركة كانت قد انتهت تقريبًا، وإنما وصلت لتعلن شيئًا أكبر من المشاركة العملياتية المباشرة: الجزائر قررت أن يكون لها حضور عسكري معلن في معادلة الساحل. وهذا تحول لا ينبغي التقليل من دلالته.

نهاية منطقة الراحة الجزائرية

لعقود طويلة، ارتبطت العقيدة الأمنية الجزائرية بتحفظ شديد تجاه إرسال القوات المسلحة إلى خارج الحدود. وكانت الجزائر تفضل الوساطة، والاتصالات السرية، والدبلوماسية الأمنية، واحتواء الأزمات على مسافة من التدخل العسكري المباشر. لكن تعديل دستور 2020 فتح الباب قانونيًا أمام أشكال من الانتشار العسكري الخارجي، ضمن شروط دستورية محددة. ومع ذلك بقي الانتقال من النص إلى الممارسة مسألة مختلفة تماما. ما حدث في نيامي هو أن الجزائر انتقلت من إمكانية التدخل إلى ممارسة التدخل. وقد وصفت Le Monde هذه الخطوة بأنها تحول في العقيدة الجزائرية نحو انتشار عسكري خارج الحدود، مع إثارة أسئلة حول مدى انطباق الشروط الدستورية على العملية، خصوصا أن البرلمان لم يسبق أن صادق عليها وفق الصيغة التي يثيرها النص الدستوري. وهكذا لم يعد السؤال: هل تستطيع الجزائر التدخل خارج حدودها؟ بل أصبح: متى ستقرر الجزائر أن مصالحها جنوب الصحراء تبرر هذا التدخل؟ والإجابة التي قدمتها نيامي تبدو واضحة: عندما يصبح مستقبل حليف استراتيجي، أو مصالح اقتصادية وأمنية حيوية، معرضا للخطر.

نيامي ليست وحدها في الحساب الجزائري

من الخطأ قراءة التحرك الجزائري باعتباره مجرد تضامن سياسي مع المجلس العسكري الحاكم في النيجر. فالجزائر لا تنظر إلى النيجر كجار جنوبي فقط، بل كجزء من عمقها الاستراتيجي الممتد إلى قلب الساحل وغرب إفريقيا. وفي الأشهر الأخيرة، أخذ الحضور الاقتصادي الجزائري في شمال النيجر بعدا أكثر وضوحا. ففي أغسطس 2026، أطلقت الجزائر والنيجر عمليات حفر استكشافية في بلوك كفرا بمنطقة أغاديز، في مشروع تديره سوناطراك عبر فرعها Sipex، بالقرب من الحدود الجزائرية. وهذا التفصيل بالغ الأهمية. فالاقتصاد هنا ليس منفصلا عن الأمن. حين تدخل شركة وطنية كبرى إلى منطقة صحراوية شاسعة، ضعيفة البنية الأمنية، ومفتوحة على طرق التهريب والجماعات المسلحة والتنافس الإقليمي، فإن حماية الاستثمارات تصبح، بصورة أو بأخرى، جزءا من الحساب الاستراتيجي للدولة. ومن هنا يمكن فهم الاهتمام الجزائري المتزايد بشمال النيجر.

الغاز والنفط والطريق العابر للصحراء

هناك مشروع آخر لا يقل أهمية: أنبوب الغاز العابر للصحراء TSGP، الذي يربط نيجيريا بالنيجر والجزائر. وقد دخل المشروع في 2026 مرحلة جديدة، بعدما أعلنت سوناطراك رسميًا إطلاق أشغال الجزء الجزائري من الأنبوب، الممتد ضمن ممر الطريق العابر للصحراء وصولًا إلى مركز توزيع الغاز في حاسي الرمل. وبالتالي فإن استقرار النيجر لم يعد بالنسبة إلى الجزائر مسألة حدودية محضة. إنه يرتبط بالطاقة، والاستثمار، والممرات التجارية، وموقع الجزائر في الخريطة الطاقية المستقبلية لأوروبا وإفريقيا. وهنا تظهر المعادلة الكبرى: من يملك أمن الممرات يملك جزءا من القدرة على التحكم في مستقبل المشاريع التي تمر عبرها. لكن هذه المعادلة تحمل وجها آخر. فالجزائر ليست وحدها التي تنظر إلى الساحل باعتباره فضاء استراتيجيا. المغرب أيضا يعمل منذ سنوات على بناء امتداد اقتصادي وجيوسياسي نحو غرب إفريقيا، فيما تواصل نيجيريا البحث عن ممرات وآليات جديدة لتصدير طاقتها وتعزيز حضورها الإقليمي. وهكذا يتحول الساحل تدريجيا من منطقة هامشية في الحسابات الدولية إلى مسرح تنافس على الطاقة والموانئ والطرق والنفوذ السياسي والأمني.

روسيا تحمي السلطة في نيامي… والجزائر تحمي العمق الاستراتيجي

المشهد الأكثر إثارة للاهتمام هو ظهور قوتين غير غربيتين في معادلة واحدة، لكن بأدوار مختلفة. روسيا، من خلال Africa Corps، أثبتت في أزمة نيامي الأخيرة استعدادها لتقديم دعم أمني مباشر للسلطة العسكرية. أما الجزائر فقد أرسلت مقاتلاتها بعد انتهاء المرحلة الحاسمة من التمرد، في إشارة سياسية وعسكرية إلى أن استقرار النظام في نيامي بات جزءا من حساباتها الأمنية. وهنا قد يكون من الخطأ الحديث عن تحالف روسي ـ جزائري متكامل في النيجر. الأدق هو الحديث عن تقاطع مصالح. روسيا تريد تثبيت نفوذها في الساحل بعد تراجع النفوذ الغربي. والجزائر تريد منع تحول حدودها الجنوبية إلى مصدر دائم للتهديد، وحماية مصالحها الاقتصادية وممراتها الاستراتيجية، واستعادة موقع مؤثر في فضاء الساحل. أما المجلس العسكري في نيامي، فيحتاج إلى كل من يستطيع مساعدته على البقاء. هذه المصالح ليست متطابقة، لكنها تتقاطع في نقطة واحدة: رفض عودة النيجر إلى مدار النفوذ الغربي السابق.

قاعدة 201: السؤال الذي يحتاج إلى دليل لا إلى تخمين

تطرح بعض التقارير والتقديرات احتمال وجود انتشار عسكري جزائري في قاعدة 201 في أغاديز، وهي المنشأة التي ارتبطت تاريخيًا بالوجود العسكري الأمريكي في النيجر. لكن حتى 5 سبتمبر 2026، لا تظهر في المصادر المفتوحة التي أمكن التحقق منها أدلة موثوقة تكفي لتأكيد وجود قوات جزائرية في هذه القاعدة. وهنا يجب أن يكون التحليل الاستراتيجي أكثر صرامة من الشائعة. فالفرق كبير بين إرسال أربع مقاتلات إلى نيامي، وهو أمر مؤكد رسميًا، وبين افتراض وجود تمركز جزائري دائم أو شبه دائم في أغاديز. غير أن مجرد طرح السؤال يكشف أهمية الموقع. أغاديز ليست مدينة صحراوية عادية. إنها عقدة جغرافية تقع في قلب شمال النيجر، بالقرب من طرق استراتيجية ومناطق ذات أهمية اقتصادية، وكانت قاعدة 201 الأمريكية سابقا واحدة من أبرز رموز الحضور العسكري الغربي في منطقة الساحل. إذا تحول الموقع مستقبلًا إلى نقطة ارتكاز لقوة إقليمية جديدة، فإن ذلك سيعني انتقال الصراع على النفوذ في الساحل إلى مرحلة مختلفة تماما. لكن ذلك يحتاج إلى أدلة، لا إلى افتراضات.

من نيامي إلى بنين ونيجيريا: الساحل يدخل مرحلة التفكك

المشكلة أن النيجر لا تعيش في فراغ. انسحاب دول الساحل الثلاث – مالي والنيجر وبوركينا فاسو- من المنظومات الإقليمية السابقة، وبناء تحالف دول الساحل، أعاد رسم الخريطة السياسية للمنطقة. وفي المقابل، بقيت نيجيريا لاعبا مركزيا لا يمكن تجاوزه، ليس فقط بسبب حجمها الديموغرافي والاقتصادي والعسكري، وإنما بسبب موقعها الجغرافي واتصالها المباشر بالنيجر. الحدود الطويلة بين البلدين تجعل أي توتر في النيجر مسألة تمس الأمن النيجيري مباشرة. أما التوتر بين النيجر وبنين، فيضيف طبقة أخرى إلى الأزمة، خصوصًا في ظل استمرار الخلافات السياسية والأمنية المرتبطة بالحدود والعقوبات والعلاقات الإقليمية. وهكذا تجد الجزائر نفسها أمام معادلة صعبة: كيف تحمي مصالحها في النيجر من دون أن تتحول إلى طرف مباشر في شبكة صراعات إقليمية تتجاوز حدودها؟ وهذا هو الاختبار الحقيقي.

القوة العسكرية شيء… والقدرة على إسقاطها في الصحراء شيء آخر

قد تبدو الجزائر، من الناحية العسكرية، قوة ثقيلة مقارنة بمعظم دول الساحل. لكن امتلاك طائرات متطورة وجيش كبير لا يعني بالضرورة امتلاك القدرة على إدارة وجود عسكري طويل الأمد في عمق الصحراء. فالمسافة، واللوجستيات، والصيانة، والإمداد، والظروف المناخية، والاستخبارات، وحماية المنشآت، كلها عوامل قد تجعل الانتشار الخارجي مكلفًا بصورة تفوق الحسابات الأولية. وهنا ينبغي للجزائر أن تنتبه إلى درس تاريخي بسيط: الانتصار التكتيكي لا يساوي بالضرورة النجاح الاستراتيجي. قد يكون إرسال مقاتلات إلى نيامي رسالة قوة ناجحة. لكن تحويل هذه الرسالة إلى التزام عسكري طويل الأمد في منطقة مضطربة شيء آخر تماما. فالنيجر ليست مجرد عاصمة وقاعدة جوية. إنها بلد شاسع، تتقاطع فيه تهديدات الجماعات المسلحة، وشبكات التهريب، والنزاعات الحدودية، والأزمات السياسية، والفقر، وضعف مؤسسات الدولة. وأي قوة خارجية تدخل هذه البيئة قد تجد نفسها، تدريجيا، أمام مسؤوليات لم تكن في الحساب الأول.

الجزائر أمام معضلة “العمق الاستراتيجي”

القرار الجزائري يحمل منطقا مفهوما. فالجزائر لا تريد أن تستيقظ بعد سنوات لتجد أن ساحلها الجنوبي أصبح منطقة نفوذ لقوى أخرى، وأن استثماراتها في الطاقة مهددة، وأن مشاريعها العابرة للصحراء معرضة للخطر، وأن منافسيها الإقليميين والدوليين سبقوها إلى إعادة تشكيل المنطقة. لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول مفهوم العمق الاستراتيجي إلى التزام عسكري مفتوح. فكلما زاد الوجود العسكري، زادت الحاجة إلى حماية هذا الوجود. وكلما زادت الحاجة إلى الحماية، اتسعت دائرة التدخل. وهكذا يمكن أن تبدأ العملية برسالة سياسية صغيرة، وتنتهي بالتزام استراتيجي كبير. وهذا هو الفخ الذي ينبغي تجنبه.

الساحل لم يعد هامشا… بل أصبح مركز الصراع الجديد

ما يجري اليوم في الساحل لا يمكن اختزاله في صراع بين فرنسا وروسيا، ولا بين الغرب والأنظمة العسكرية، ولا بين الجزائر والمغرب. إن المنطقة أصبحت ساحة لتقاطع عدة خرائط: خريطة الطاقة. وخريطة الإرهاب. وخريطة الممرات التجارية. وخريطة النفوذ الروسي. وخريطة التمدد التركي. وخريطة المصالح الصينية. وخريطة التنافس المغربي ـ الجزائري. وخريطة الأمن النيجيري. وفي قلب هذه الخرائط كلها توجد دولة اسمها النيجر. لهذا فإن سقوط الاستقرار في نيامي لن يبقى شأنا نيجريا. وقد يكون إرسال الجزائر مقاتلاتها إلى العاصمة النيجرية أول إعلان واضح بأن الجزائر نفسها باتت ترى أن المعركة على مستقبل الساحل تجري، جزئيًا، على عتبة حدودها.

السؤال المغربي

في هذه البيئة، لا يمكن للمغرب أن يتعامل مع التطورات بمنطق المتفرج. لكن الرد المغربي الأكثر ذكاء لا ينبغي أن يكون سباقا عسكريا في الصحراء. قوة المغرب الأساسية في غرب إفريقيا يمكن أن تكون في الاقتصاد، والموانئ، والبنية التحتية، والاستثمار، والدبلوماسية، والشراكات جنوب ـ جنوب، والقدرة على بناء علاقات مع دول الساحل ونيجيريا وغرب إفريقيا دون إرث عسكري مباشر في المنطقة. وهنا تكمن المفارقة: الجزائر تدخل الساحل من بوابة الأمن، بينما يستطيع المغرب أن يدخله من بوابة الاقتصاد والربط الإقليمي. والتاريخ سيحكم في النهاية على أي النموذجين أكثر قدرة على البقاء.

معركة النفوذ بدأت… لكن الحرب لم تبدأ

ما جرى في نيامي ليس نهاية أزمة، بل بداية مرحلة جديدة. لقد سقطت قاعدة عسكرية في أيدي المتمردين ثم استعادت السلطة السيطرة عليها بمساعدة روسية. وبعد ذلك دخلت الجزائر المشهد علنا بمقاتلاتها. وفي بضعة أيام فقط، انتقل الساحل من مرحلة النفوذ غير المباشر إلى مرحلة أكثر وضوحا من إظهار القوة. لكن القوة ليست مجرد طائرات. والنفوذ ليس مجرد قواعد. والاستراتيجية ليست مجرد رد فعل على الأزمات. الاختبار الحقيقي للجزائر سيكون في قدرتها على معرفة أين تبدأ مصالحها وأين تنتهي مسؤولياتها، وكيف تحمي استثماراتها وممراتها الاستراتيجية من دون أن تنزلق إلى حرب استنزاف صحراوية طويلة. أما النيجر، فهي أمام معادلة أكثر صعوبة: كلما ازدادت حاجتها إلى الحلفاء الخارجيين، ازدادت أهمية سؤال السيادة نفسه. وفي النهاية، فإن الساحل يدخل مرحلة لن يكون فيها السؤال: من يسيطر على نيامي؟ بل: من يستطيع أن يصوغ النظام الإقليمي الذي سيولد من أنقاض النظام القديم؟ هنا تحديدًا تكمن المعركة المقبلة. ليست معركة الدبابات والطائرات فقط. إنها معركة الممرات والطاقة، والحدود والتحالفات، والاستثمار والأمن، والقدرة على تحويل النفوذ إلى نظام إقليمي قابل للحياة. ومن يربح هذه المعركة لن يكون بالضرورة من يملك أقوى جيش، بل من يستطيع أن يجعل الآخرين يحتاجون إليه أكثر مما يحتاج هو إليهم.

📲 Partager sur WhatsApp

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *