بقلم زكية لعروسي, رئيسة التحرير-باريس
ثمة مدن يكفي أن يزورها ملك، لتحدث ضجيجا في الجغرافيا؛ وأن يتزامن ذلك مع تأجيل قمة، حتى تستيقظ الخرائط من سباتها، وتبدأ العواصم في قراءة ما بين السطور. هكذا تبدو مدريد هذه الأيام، وهي تؤجل لقاءها الرفيع المستوى مع الجزائر إلى ما بعد الانتخابات التشريعية المقررة في 29 نوفمبر 2026، بينما يستعد الملك فيليبي السادس لزيارة سبتة ومليلية يومي 13 و14 أكتوبر. وبين الموعدين، تتدلى أسئلة كثيرة من سقف السياسة، كأنها مصابيح لا تريد مدريد إضاءتها دفعة واحدة. في الظاهر، لكل شيء تفسيره الإداري والسياسي: انتخابات تقترب، وحكومة لا تريد أن تدخل استحقاقا دبلوماسيا كبيرا وهي منشغلة بحسابات صناديق الاقتراع، وشريك جزائري ينبغي إعداد ملفات التعاون معه بعناية. لكن السياسة، حين تتعلق بالمغرب والجزائر وإسبانيا، لا تقيم دائما في الطابق الذي تعلنه البيانات الرسمية؛ إنها تسكن أيضا في الممرات الخلفية، حيث تتقاطع المصالح، وتوزن الرموز، ويصبح التوقيت رسالة قائمة بذاتها.
لقد أعلنت الحكومة الإسبانية، عقب زيارة بيدرو سانشيز إلى الجزائر في 20 يوليو الماضي، عزمها عقد الاجتماع الرفيع المستوى الثامن خلال الخريف، بعد استئناف مسار المصالحة بين البلدين. غير أن الموعد أُرجئ، وفق ما أوردته صحيفة «إلباييس»، إلى ما بعد الانتخابات، في سياق يتزامن مع زيارة الملك إلى المدينتين اللتين يعتبرهما المغرب محتلتين. هنا لا تكمن المسألة في التأجيل وحده، بل في اجتماع حدثين حسّاسين داخل نافذة زمنية واحدة: قمة مع الجزائر، وزيارة ملكية إلى خاصرة جغرافية لا تزال موضع نزاع سياسي وتاريخي بين الرباط ومدريد. فهل نحن أمام مصادفة بروتوكولية، أم أمام دبلوماسية تعرف كيف تفصل بين الملفات على الورق، فيما تتركها تتحدث بعضها مع بعض في الواقع؟

لا دليل معلنا يثبت أن مدريد أجّلت القمة بقصد استثمار زيارة الملك في الضغط على المغرب، ولا يصح تحويل التزامن وحده إلى إدانة مكتملة. لكن غياب الدليل على النية لا يلغي حق المراقب في مساءلة الأثر السياسي للقرار. فالدول لا تتحرك داخل فراغ، والرموز السيادية لا تسافر وحدها؛ ترافقها ظلال التاريخ، وحسابات الحاضر، واحتمالات المستقبل. وقد لا تكون الرسالة المقصودة استفزازا مباشرا، لكن مدريد تعرف، بحكم خبرتها الطويلة مع الجار الجنوبي، أن زيارة ملكية إلى سبتة ومليلية ليست حدثا عاديا في الوعي المغربي، وأن توقيتها قادر على إرباك أي محاولة لإعادة ترتيب العلاقات الإقليمية.
المفارقة أن إسبانيا تريد استعادة دفء العلاقة مع الجزائر، لكنّها لا تستطيع تجاهل أن هذه العلاقة تتحرك في فضاء مغاربي شديد الحساسية، حيث لا يُقرأ التقارب بين عاصمتين بمعزل عن علاقات كل منهما بالعاصمة الثالثة. فالجزائر ليست مجرد مورد للغاز، والمغرب ليس مجرد جار جنوبي، وإسبانيا ليست وسيطا محايدا في كلّ الملفات التي تجمع الأطراف الثلاثة. إنّها دولة أوروبية تبحث عن أمنها الطاقي، وتدير حدودها الجنوبية، وتوازن بين مصالحها الاقتصادية وحساباتها الاستراتيجية، وتريد الاحتفاظ بأكبر قدر من حرية الحركة في منطقة لا تسمح جغرافيتها بتلك الرفاهية بسهولة. ولعل هذا هو جوهر اللعبة الإسبانية: ليس بالضرورة تدبير مؤامرة محكمة، وإنما إدارة التناقضات بما يضمن لمدريد ألا تخسر أوراقها دفعة واحدة. فالجزائر تمنحها موردا استراتيجيا بالغ الأهمية؛ وقد أكدت الحكومة الإسبانية، خلال زيارة سانشيز الأخيرة، أن الجزائر كانت مورّدها الرئيسي للغاز الطبيعي خلال سنة 2026 حتى ذلك التاريخ. والمغرب، من جهته، شريك أساسي في قضايا الهجرة والأمن والتجارة والتعاون الحدودي. وبين الطرفين، تحاول مدريد أن تمسك بخيطين لا تريد أن ينقطع أي منهما، حتى لو اقتضى الأمر تأجيل لقاء هنا، وإرسال إشارة سيادية هناك.
لكن هل يمكن إدارة التوازن إلى ما لا نهاية من دون أن يتحول إلى لعبة محفوفة بالمخاطر؟ وهل تملك إسبانيا حق الاعتقاد بأن الرموز التي تستخدمها داخليا لا تحمل أثمانا خارجية؟ إن السيادة، في العلاقات الدولية، ليست مجرد صورة ملكية أمام الكاميرات؛ إنها أيضا القدرة على إدراك أن لكل خطوة جغرافية امتدادا سياسيا، وأن ما يُقدَّم في الداخل بوصفه تأكيدا للسيادة قد يقرأ في الخارج باعتباره تثبيتا لوضع خلافي، أو استعراضا للقوة، أو تجاهلا لحساسية تاريخية لم تُحسم بعد. بالنسبة إلى المغرب، لا ينبغي أن يكون المطلوب الانفعال كلما تحركت مدريد، ولا أن تتحول كل زيارة إلى مناسبة لإعادة إنتاج خطاب الغضب. فالدول الواثقة لا تمنح خصومها، أو حتى شركاءها المربكين، رفاهية التحكم في إيقاع أعصابها. غير أن ضبط النفس لا يعني التنازل عن وضوح الموقف، والهدوء لا يعني أن تصبح الرموز العابرة للحدود حقائق نهائية بفعل التكرار. المطلوب هو قراءة دقيقة، ورد محسوب، ودبلوماسية تميز بين ما يستدعي الاحتجاج وما يستدعي الانتظار، وبين ما ينبغي مواجهته علنا وما يجب تفكيكه بصمت داخل غرف التفاوض.
وليس من الحكمة أيضا أن يقرأ المغرب كل تقارب إسباني جزائري بوصفه استهدافا له؛ فالجزائر وإسبانيا تملكان مصالح مشروعة في التعاون، مثلما يملك المغرب حق الدفاع عن مصالحه الوطنية. لكن من حق الرباط أن تسأل عن طبيعة التوازن الذي تسعى مدريد إلى بنائه: هل تريد علاقات متكافئة مع جوارها الجنوبي، أم تريد الاحتفاظ بموقع اللاعب الذي يستفيد من التباعد بين جيرانه؟ وهل تفهم أن استقرار المغرب العربي مصلحة أوروبية أيضا، أم أنها لا تزال تنظر إلى المنطقة باعتبارها رقعة شطرنج يكفي فيها ألا يخسر اللاعب الإسباني قطعه الأساسية؟
أما الرواية التي تربط أحداث الاقتحام الجماعي لسبتة في يوليو باتفاق سري مفترض بين سانشيز والرئيس الجزائري عبد المجيد تبون بشأن الصحراء، فلا يجوز التعامل معها باعتبارها حقيقة ثابتة ما دامت لا تستند إلى أدلة موثوقة معلنة. إن خطورة السياسة تبدأ حين تتحول الشكوك إلى يقين، وحين تُبنى المواقف على روايات جذابة لا على الوقائع. والمغرب، بما راكمه من خبرة دبلوماسية، ليس في حاجة إلى فرضية غير مثبتة كي يفهم أن أفضل رد على الغموض ليس اختراع يقين بديل، بل المطالبة بالوضوح ومراقبة النتائج. ثم إن الانتخابات الإسبانية المقبلة تضيف طبقة أخرى إلى المشهد. فسانشيز لا يتحرك في فضاء خارجي خالص، بل في ساحة داخلية تتنازعها الحسابات الحزبية وضغوط المعيشة والهجرة والاستقطاب السياسي. وقد تتغير الحكومة أو تتبدل أولوياتها، لكن الجغرافيا لن تنتقل من مكانها، والغاز سيظل حاجة، والمغرب سيظل جارا لا يمكن تجاوزه، وملفا سبتة ومليلية سيظلان قائمين مهما تغيرت الألوان السياسية في مدريد. ولهذا فإن الرهان المغربي الأذكى ليس على هوية الحزب الذي يفوز، بل على بناء علاقة تجعل المصالح المتبادلة والاحترام المتبادل أكثر رسوخا من نزوات الحكومات وتقلبات الانتخابات.
قد تكون مدريد قد أجّلت قمتها مع الجزائر لأسباب انتخابية ودبلوماسية عملية، وقد يكون تزامن التأجيل مع زيارة الملك مجرد تقاطع في المواعيد. لكن السياسة لا تدان بالنوايا المفترضة؛ إنها تقرأ في النتائج، وفي الرسائل التي تتركها الخطوات، وفي قدرة الدول على منع سوء التقدير من التحول إلى أزمة. وإذا كانت مدريد تريد أن تثبت سيادتها في سبتة ومليلية، وتعيد بناء شراكتها مع الجزائر، وتحافظ في الوقت نفسه على علاقاتها بالمغرب، فإن الاختبار الحقيقي يكمن في قدرتها على فهم أن الجغرافيا ليست مسرحا تتغير ديكوراته كلما تبدلت الحكومة، وأن الجار المغربي ليس رقما في معادلة الطاقة والهجرة، بل دولة ذات مصالح ورؤية وذاكرة استراتيجية.
أما المغرب، فليس مطالبا بأن يجيب عن كل حركة إسبانية بحركة مضادة؛ بل بأن يجعل من هدوئه قوة، ومن يقظته معرفة، ومن دبلوماسيته أداة لحماية مصالحه دون الانجرار إلى فخ الاستفزاز. فالشطرنج السياسي لا يفوز فيه من يحرّك أكبر عدد من القطع، بل من يعرف متى يتحرك، ومتى ينتظر، ومتى يكتشف أن الرقعة نفسها قد تغيرت. والسؤال الذي ينبغي أن يبقى مفتوحا أمام مدريد قبل الرباط والجزائر هو: هل تريد إسبانيا جوارا مغاربيا مستقرا تتعايش فيه المصالح، أم تريد توازنا هشا يتيح لها المناورة اليوم، ولو كان ثمنه مزيدا من انعدام الثقة غدا؟ فالتاريخ لا يعاقب الدول على ما تقوله فقط، بل على ما تتركه أفعالها يتراكم في ذاكرة جيرانها. وفي السياسة، قد تكون أخطر الاستفزازات تلك التي لا تُعلن عن نفسها استفزازات، بل تصل في هيئة بروتوكول، أو موعد مؤجل، أو زيارة تبدو عادية، بينما تترك خلفها سؤالا لا يهدأ.
