بقلم زكية لعروسي رئيسة التحرير-باريس
في سبتة لا يقف البحر بين ضفتين فقط؛ يقف بين عالمين، وبين روايتين، وبين تصورين للإنسان وللدولة وللحدود. هناك، حيث لا يحتاج المغربي إلا إلى النظر إلى الضفة الأخرى كي يرى أوروبا بعينين مجردتين من كل الخرائط، يصبح البحر أكثر من ماء، وتصبح الحدود أكثر من سياج. تصبح المسافة نفسها سؤالا سياسيا وفلسفيا عن معنى أن تولد في هذا الجانب من المتوسط لا في الجانب الآخر.ومن هنا ينبغي أن يُقرأ ملف المغاربة الذين دخلوا سبتة في 30 و31 يوليوز، لا باعتباره مجرد واقعة هجرة أو حادثا أمنيا عابرا، وإنما باعتباره لحظة كاشفة عن بنية علاقة معقدة بين المغرب وإسبانيا وأوروبا، وعن حدود القوة حين تتقاطع السيادة مع القانون، وحين يصطدم حلم الفرد بحسابات الدول.إسبانيا تريد استعادة السيطرة الكاملة على حدودها. وهذا حق أي دولة.
لكن المغرب أيضا ليس مجرد الطرف الذي ينتظر ما تقرره مدريد كي ينفذه. فهؤلاء الذين تعود إليهم السلطات الإسبانية هم، قبل كل شيء، مواطنون مغاربة. واستعادة المواطن المغربي ليست خدمة تؤدى للمغرب، ولا منة تقدم له؛ إنها نتيجة طبيعية لحق الدولة في رعاية مواطنيها وصيانة كرامتهم، كما أنها جزء من مسؤولية المغرب في إدارة ملف مواطنيه بما يحفظ مصالحه وسيادته. وهنا بالضبط ينبغي أن يكون الصوت المغربي هادئا، لكنه صلب. فالمغرب لا يحتاج إلى صراخ كي يثبت قوته. القوة الحقيقية هي أن تعرف الدولة أين تبدأ مصالحها وأين تنتهي، وأن تتعامل مع حلفائها وشركائها من موقع الندية، لا من موقع الانفعال. لقد تغير المغرب كثيرا خلال العقود الأخيرة. لم يعد مجرد بلد يوجد في أقصى جنوب أوروبا، ينتظر ما يقرره الشمال. أصبح فاعلا مركزيا في غرب المتوسط، وقوة اقتصادية وأمنية ودبلوماسية ذات حضور إفريقي واضح، وشريكا لا يمكن اختزال دوره في مراقبة السواحل أو منع المهاجرين من الوصول إلى أوروبا.
ومن الخطأ الاستراتيجي أن تسمح أوروبا لنفسها برؤية المغرب باعتباره حارسا لحدودها الجنوبية فقط. المغرب أكبر من هذه الوظيفة. إنه بلد له مصالحه في أوروبا، وله امتداده الإفريقي، وله موقعه الجغرافي الفريد، وله أوراقه في ملفات الأمن والطاقة والهجرة والتجارة والاستثمار. ولذلك فإن التعاون المغربي الإسباني لا ينبغي أن يقوم على منطق «أنت تمنع وأنا أمول»، ولا على منطق «أنت تعيد وأنا أستقبل»، وإنما على شراكة تتقاطع فيها المصالح من دون أن تذوب فيها السيادة. ومن هنا تصبح قضية سبتة أكثر حساسية. فالعودة إلى المغرب يمكن أن تكون أمرا طبيعيا إذا استوفت شروطها القانونية، لكن تحويل المغرب إلى محطة تلقائية لإغلاق ملف أوروبي معقد سيكون اختزالا غير مقبول لدوره.
المواطن المغربي يعود إلى بلده، نعم. لكن الدولة المغربية ليست مكتب استقبال تابع لمنظومة الهجرة الأوروبية. وهذه نقطة ينبغي ألا تضيع في الضجيج. أما في الجانب الإسباني، فإن القضية لا يمكن اختصارها في رغبة سياسية في «تسريع الترحيل». فالدولة التي تحترم نفسها لا تقاس فقط بقدرتها على حماية حدودها، وإنما أيضا بقدرتها على حماية القانون وهي تفعل ذلك. وطالب اللجوء ليس رقما فائضا في جدول الهجرة، والقاصر ليس مهاجرا بالمعنى نفسه الذي ينطبق على شخص بالغ، والملف الإنساني لا يمكن أن يذوب بالكامل داخل الحساب الأمني. القانون هو الحد الذي يجب أن تتوقف عنده كل الحكومات، مهما كان حجم الضغط السياسي. وهنا تكمن المفارقة التي تجعل سبتة قضية أوروبية بامتياز: أوروبا بنت جزءا كبيرا من مشروعها السياسي على فكرة الحدود المفتوحة بين دولها، ثم وجدت نفسها مضطرة إلى تشديد حدودها الخارجية إلى درجة أصبحت معها حدود الجنوب الأوروبي واحدة من أكثر النقاط توترا في العالم. كلما اتسعت أوروبا من الداخل، ارتفعت أسوارها في الخارج. وكلما أصبح المواطن الأوروبي أكثر حرية في الحركة، أصبح القادم من خارج الاتحاد أكثر حاجة إلى إذن للعبور.
هذه ليست مفارقة قانونية فقط. إنها مفارقة الحضارة الأوروبية نفسها. لكن المغرب أيضا مطالب بأن ينظر إلى المرآة. فلا يكفي أن نقول إن الشباب ضحايا الفقر أو البطالة أو الإغراء الأوروبي. ولا يكفي أن نضع كل المسؤولية في الجهة الأخرى من المتوسط. فالشاب الذي يخاطر بحياته في البحر يحمل معه سؤالا مغربيا قبل أن يحمل معه جواز سفر. لماذا أصبح البحر بالنسبة إليه ممرا محتملا، بينما يبدو له المستقبل في وطنه مغلقا؟ هذا السؤال لا يوجه اتهاما إلى المغرب بقدر ما يضع أمامه مسؤولية تاريخية. الوطنية ليست أن نقول للشاب «لا تهاجر». الوطنية أن نبني له ما يجعله يقول بنفسه: «لماذا أهاجر؟» وهذا هو الاختبار الحقيقي لأي دولة. أن تجعل الانتماء إليها ليس واجبا أخلاقيا فقط، بل تجربة معيشة لها معنى. أن يشعر المواطن أن كرامته لا تبدأ عند بوابة المطار، وأن مستقبله لا يحتاج بالضرورة إلى ختم أجنبي كي يصبح ممكنا. ولذلك فإن قضية سبتة ينبغي أن تدفع المغرب إلى التفكير في الداخل بقدر ما تدفعه إلى التفاوض مع الخارج.
فالدبلوماسية قد تعيد المواطن. أما التنمية والثقة والعدالة والفرص فهي التي تمنع رحلة الخروج من أن تبدأ أصلا. وهنا تتجاوز القضية حدود السياسة الخارجية لتصبح جزءا من سؤال الدولة المغربية عن نفسها. أي مغرب نريد؟ مغربا يطلب من أبنائه أن يبقوا لأنهم أبناء الوطن، أم مغربا يجعل بقاءهم اختيارا عقلانيا لأن الوطن نفسه صار فضاء للفرصة؟ الفارق بين الإثنين هائل. الأول يعتمد على العاطفة. والثاني يبني الولاء على الواقع. ومع ذلك، سيكون من الظلم أن ننظر إلى الشباب الذين دخلوا سبتة باعتبارهم مجرد أرقام في ملف الهجرة. خلف كل رقم قصة، وخلف كل قصة عائلة، وخلف كل عائلة وطن كامل من الانتظارات. لكن الوطنية والحكمة لا تعنيان تمجيد المغامرة. لا ينبغي أن يتحول عبور البحر إلى بطولة، ولا أن يصبح خرق الحدود فعلا رومانسيا. الدولة المغربية مطالبة بحماية أبنائها حتى من القرارات التي قد تعرض حياتهم للخطر، وإسبانيا مطالبة بتطبيق قانونها من دون تحويل الردع إلى إذلال. بين هذين الحدين توجد الكرامة. والكرامة ليست شعارا. إنها طريقة تعامل. ولهذا فإن المغرب، وهو يتعامل مع قضية العودة، يملك فرصة لتحويل ملف يبدو في ظاهره أمنيا إلى ورقة دبلوماسية أكثر عمقا: تعاون منظم، آليات واضحة لإعادة المواطنين، ضمانات قانونية، معالجة خاصة للقاصرين، وتنسيق يمنع تكرار أزمات مماثلة، وفي الوقت نفسه وضع الهجرة داخل إطار أوسع من الشراكة المغربية الإسبانية. فالدول الذكية لا تدير الأزمات فقط. إنها تستثمر فيها لإعادة ترتيب العلاقات.
والمغرب ليس مضطرا إلى الدخول في مواجهة مع إسبانيا كي يثبت سيادته. يكفي أن يعرف قيمة موقعه وأن يتحدث من موقع الدولة التي تعرف أن مصالحها ليست أقل أهمية من مصالح شركائها. قد تتغير الحكومات في مدريد. قد تتبدل قوانين الهجرة في بروكسيل. وقد تتغير اللغة السياسية من موسم إلى آخر. لكن الجغرافيا لا تتغير. والمغرب سيبقى هنا. وإسبانيا ستبقى هناك. وسيظل المتوسط بينهما أقل اتساعا من أن يسمح بقطيعة، وأكبر من أن يسمح بإلغاء المصالح المتبادلة. لهذا فإن مستقبل العلاقة لا ينبغي أن يبنى على سؤال: من انتصر في ملف سبتة؟ السؤال الأكثر ذكاء هو: ماذا يمكن أن نتعلم من سبتة؟ ربما أن الحدود لا تستطيع وحدها أن توقف حركة التاريخ. وربما أن البحر يستطيع أن يفصل الأجساد، لكنه يعجز عن فصل الأحلام. وربما أن أقوى سياج يمكن أن تبنيه دولة حول حدودها لن يكون أكثر صلابة من وطن يستطيع أن يقنع أبناءه بأن مستقبلهم موجود هنا. سبتة ليست فقط قصة عن مغاربة يريدون الوصول إلى أوروبا. إنها قصة عن المغرب نفسه. عن دولة تستعيد مواطنيها، وعن سيادة تعرف كيف تتفاوض، وعن وطن مطالب بأن يصنع لأبنائه أسباب البقاء، وعن أوروبا تكتشف كل يوم أن أمن حدودها لا يمكن أن يكون بديلا عن معالجة الأسباب التي تدفع الناس إلى عبورها.
يبقى البحر شاهدا صامتا. لا ينحاز إلى المغرب ولا إلى إسبانيا. لا يعرف من هو صاحب السياج ومن هو العابر. لكنه يعرف حقيقة واحدة: حين يصبح الموت في الماء أقل رعبا من المستقبل على اليابسة، فالمشكلة لم تعد في البحر وحده. هناك، في مكان ما، وطن يحتاج إلى أن يسأل نفسه ماذا فقد حتى أصبح البحر حلما. وهناك أيضا دولة أوروبية تحتاج إلى أن تسأل نفسها ماذا تريد من جارتها الجنوبية: شريكا استراتيجيا، أم حارسا دائما على بابها. أما المغرب، فربما آن له أن يتعامل مع هذا الملف من مكان أكثر ثقة: لا باعتباره الطرف الذي يستعيد أبناءه فقط، بل باعتباره دولة تعرف أن مواطنيها جزء من سيادتها، وأن كرامتهم جزء من قوتها، وأن الشراكة مع أوروبا لا تكون قوية إلا حين يكون طرفاها قويين. فالمغرب لا يحتاج إلى أن يرفع صوته كي يسمع. يكفي أن يعرف من هو.
