بقلم زكية لعروسي رئيسة التحرير-باريس
شيء غريب يحدث أمام أبواب المدارس الفرنسية هذه الأيام. تُغلق الأبواب، فتبدأ الدولة في الكلام عن الأمن. يرفع تلميذ لافتة، فتظهر مفردات النظام العام. تتراكم الطاولات والفرش الخشبية أمام بوابة ثانوية، فيرتفع في الأفق ظل الشرطة. كأن المدرسة، في لحظة واحدة، لم تعد مكانا للدرس، بل صارت مسرحا صغيرا لصراع أكبر: بين دولة تخشى أن تفلت من يدها خيوط النظام، وشباب يكتشف للمرة الأولى أن صوته يمكن أن يجعل المدينة تصغي. منذ أيام، تشهد ثانويات في إيل دو فرانس تحركات وعمليات إغلاق، وسط مطالب تتعلق بظروف الدراسة، واكتظاظ الأقسام، وغياب مدرسين وصعوبة تعويضهم، ونقص بعض العاملين التربويين والاجتماعيين والصحيين. وفي المقابل، شهدت بعض المؤسسات حوادث عنف وتخريب، مع استخدام الألعاب النارية وإصابة مدير مدرسة وتوقيف عشرات الأشخاص بحسب تقارير عن الأحداث. وفي 28 سبتمبر، أعلنت وزارتا الداخلية والتربية الوطنية أن قوات الأمن ستتدخل في حال وقوع أعمال عنف أو إغلاق كامل للثانويات، مع تأكيد رسمي على ضرورة احترام التعبير الطلابي ورفض العنف، وعلى أن يكون استخدام القوة متناسبا مع الظروف.
لكن خلف هذه الوقائع المباشرة توجد حكاية أعمق بكثير. حكاية مجتمع ينظر إلى أبنائه الصغار، فلا يعرف أحيانا هل يرى فيهم تلاميذ يجب حمايتهم، أم مواطنين يجب الإصغاء إليهم، أم خطرا محتملا ينبغي احتواؤه قبل أن يكبر. وهنا يبدأ السؤال الحقيقي. ماذا تفعل الدولة عندما يكتشف المراهق أنه يملك صوتا؟ ربما كان أكثر ما يخيف السلطة في احتجاج الشباب ليس حجم الاحتجاج، بل اكتشاف الشباب لقوة صوته. فالمراهق الذي يغلق بوابة مدرسة لا يملك دبابة، ولا وزارة، ولا صحيفة كبرى، ولا جهازا إداريا. يملك جسده فقط، ووقته، ووجوده أمام الباب. وهذا، في الديمقراطية، قد يكون كافيا لخلق ارتباك. فالمدرسة ليست مجرد بناية. إنها واحدة من أولى المؤسسات التي يتعلم فيها الإنسان معنى السلطة. هناك يتعلم الطفل أن يرفع يده قبل الكلام. أن ينتظر دوره. أن يصل في الموعد. أن يجلس في المكان المحدد. أن يصغي. أن يجيب. أن يحصل على نقطة. أن يخطئ. أن يُصحح له خطؤه. ثم يأتي يوم يكتشف فيه أن المؤسسة التي علمته كل ذلك لا تستمع إليه بالقدر نفسه. عندها تحدث المعجزة الصغيرة. يخرج التلميذ من الدرس ويقف أمام الباب. فجأة يصبح هو الدرس.
وهذا ربما هو أكثر ما يزعج المؤسسات: أن يتحول التلميذ من موضوع للتربية إلى صاحب سؤال. لكن علينا أن نكون حذرين هنا. ليس كل إغلاق احتجاجا بريئا، كما أن كل احتجاج ليس عنفا. هناك فرق هائل بين أن يقول شاب: «لا أملك مدرسا»، وبين أن يحرق شيئا. بين أن يحتج على اكتظاظ قسمه، وبين أن يهدد زميلا. بين أن يغلق بوابة تعبيرا عن الغضب، وبين أن يجعل المدرسة مكانا خطرا. الحكومة نفسها أقرت بوجود مطالب طلابية يمكن أن تكون مشروعة، في الوقت الذي حذرت فيه من أعمال عنف قالت إنها لا تنتمي إلى التعبئة الطلابية العفوية. وهذا التفريق ضروري، لا مجاملة لأحد، بل دفاعا عن معنى الاحتجاج نفسه. لأن العنف لا يقوي القضية بالضرورة؛ أحيانا يسرق منها وجهها. والغريب أن الدولة والجماعات السياسية قد ترتكبان الخطأ نفسه من جهتين متعاكستين: الدولة قد ترى في كل احتجاج بذرة فوضى، والسياسي قد يرى في كل غضب فرصة للتعبئة. وفي الحالتين يصبح التلميذ شيئا آخر غير نفسه. يصبح أداة. وهذا هو الخطر الحقيقي.
حين يستخدم السياسي غضب المراهقين ليخوض معركة الكبار، يتحول الشاب إلى وقود. وحين تستخدم الدولة الخوف من العنف لكي تتجاهل أصل الشكوى، يتحول الأمن إلى ستارة. بين الإثنين تضيع المدرسة. وتضيع معها الفكرة التي من أجلها وُجدت أصلا. أن يتعلم الإنسان كيف يختلف دون أن يهدم. كيف يغضب دون أن يحرق. كيف يعترض دون أن يتحول إلى جلاد. وكيف تمارس الدولة سلطتها دون أن تنسى أن الذين يقفون أمامها اليوم هم مواطنوها غدا. قد يبدو المشهد بسيطا: بوابة مغلقة، شرطي، تلميذ، مدير مدرسة. لكنه في الحقيقة مشهد فلسفي كامل. ففي تلك البوابة تقف ثلاثة مفاهيم أمام بعضها: الحرية، والسلطة، والخوف. الحرية تقول: دعوني أتكلم. السلطة تقول: لن أسمح بأن يتحول الكلام إلى فوضى. والخوف، ذلك الحيوان الصغير الذي يعيش في قلب الجميع، يهمس للطرفين: لا تثقا بالآخر.
من هنا يبدأ الانهيار. الديمقراطية لا تموت فقط عندما تُمنع الأصوات. قد تموت أيضا عندما لا يعود أحد يثق في صوت الآخر. وحين يصبح التلميذ بالنسبة إلى الدولة مشروع مشاغب، وتصبح الدولة بالنسبة إلى التلميذ آلة قمع، فإن اللغة المشتركة تختفي. كل طرف يبدأ في اختراع صورة شيطانية عن الطرف الآخر. ثم لا يبقى من الحوار إلا الحجارة. أو الغاز. أو الأبواب الحديدية. أو البيانات الرسمية. أو المنشورات الحماسية على مواقع التواصل. وهكذا تتحول المدرسة، التي كان يفترض أن تعلم الإنسان كيف يحاور، إلى مختبر صغير لتجربة العجز عن الحوار. وهذا أمر ينبغي أن يقلقنا أكثر من عدد الثانويات المغلقة. لأن السؤال ليس فقط: كم مدرسة أُغلقت؟ السؤال هو: لماذا احتاج هؤلاء الشباب إلى إغلاق المدرسة لكي يُسمعوا؟ إذا كان هناك تلميذ يقول إنه لم يرَ مدرسا لشهور، فهذه ليست مسألة أمنية. إنها مسألة دولة. إذا كانت الأقسام مكتظة، والمرافق متدهورة، والنقص في بعض العاملين يثقل حياة المؤسسة، فهذه ليست مؤامرة سياسية. إنها مشكلة ينبغي حلها. وفي المقابل، إذا ظهر أشخاص مقنّعون يستخدمون العنف أو يعرّضون التلاميذ والعاملين للخطر، فالدولة لا تستطيع أن تتصرف وكأن ذلك مجرد تعبير سياسي. حماية الطلاب ليست ذريعة؛ إنها واجب.
لكن الحكمة تبدأ حين تستطيع الدولة أن تفعل الأمرين معا: أن تحمي المدرسة وأن تسمعها. أن تمنع العنف دون أن تمنع الغضب. أن تحمي الباب دون أن تنسى ما الذي دفع الشباب إلى الوقوف خلفه. فالسلطة القوية ليست تلك التي تستطيع فتح بوابة بالقوة. السلطة القوية هي التي تستطيع أن تجعل البوابة تُفتح من تلقاء نفسها لأن الذين يقفون خلفها وجدوا أخيرا من يسمعهم. وهنا نصل إلى المفارقة الأكثر قسوة. الشباب لا يحتاجون فقط إلى مدرسين أكثر. إنهم يحتاجون إلى أن يشعروا بأنهم مرئيون. أن شكواهم لا تسقط في بئر البريد الإلكتروني. أن المؤسسة لا تنظر إليهم كأرقام في جدول. أن الوزير الذي يتحدث عنهم لا يتحدث دائما من فوقهم. فالمراهق قد يتحمل غياب مدرس لبعض الوقت. لكنه لا يحتمل طويلا أن يشعر بأن غيابه هو الآخر لا يهم أحدا. وهذا هو الفرق بين أزمة تعليم وأزمة ثقة. أزمة التعليم يمكن إصلاحها بالميزانية والتوظيف والتنظيم. أما أزمة الثقة، فإنها تأكل المؤسسة من الداخل. وقد يكون أخطر ما في احتجاجات اليوم أنها تحدث في جيل يتعلم السياسة قبل أن يتعلم كيف يمارسها. جيل يعيش في عالم سريع، يرى كل شيء على الهاتف، ويشاهد السلطة والسياسة والعنف والاحتجاج في اللحظة نفسها التي يتناول فيها فطوره. إنه جيل لم يعد ينتظر طويلا كي يصل صوته. إنه يضغط زرا، فيراه العالم. وهذا يغير طبيعة السلطة نفسها.
لم تعد المدرسة مغلقة تماما على العالم. ولا يستطيع الوزير أن يتحدث وحده. ولا تستطيع الدولة أن تتحكم وحدها في الرواية. الصورة تسبق البيان. والفيديو يسبق التحقيق. والغضب ينتشر أسرع من الحقيقة. ولهذا فإن مهمة الدولة أصبحت أصعب. لكن مهمة الشباب أيضا أصبحت أصعب. لأن من يملك قدرة هائلة على التعبير يملك مسؤولية هائلة عن الطريقة التي يستخدم بها صوته. لا يجوز أن يصبح «الاحتجاج» كلمة سحرية تبرر كل شيء. كما لا يجوز أن تصبح «هيبة الدولة» كلمة سحرية تلغي كل شيء. بينهما توجد الديمقراطية. وهي، في جوهرها، فن شديد الصعوبة: أن تسمح للغاضب بأن يغضب، دون أن تسمح له بأن يحطم؛ وأن تمنح السلطة القوة الكافية لحماية الناس، دون أن تمنحها من القوة ما يجعلها لا تسمعهم. ربما لهذا يجب ألا ننظر إلى أبواب الثانويات المغلقة باعتبارها مجرد أبواب. إنها مرايا. وفيها ترى فرنسا نفسها. ترى أبناءها وهم يسألونها سؤالا بسيطا ومخيفا: هل تسمعيننا؟
والإجابة عن هذا السؤال لن تكون في عدد رجال الشرطة الذين يقفون أمام المدرسة، ولا في عدد التلاميذ الذين يُوقَفون، ولا في عدد البيانات التي تصدرها الوزارات. ستكون في شيء أكثر صعوبة. في قدرة الجمهورية على أن تقول لشبابها: نحن نرفض العنف، نعم. لكننا لم نرفضكم. نحن نحمي المدرسة، نعم. لكننا لا نحمي جدرانها منكم بقدر ما نحمي مستقبلها معكم. أنتم لستم عدوا على الباب. أنتم أصحاب المستقبل الذين يقفون عليه. ولعل أجمل ما يمكن أن تفعله دولة في لحظة كهذه هو أن تنظر إلى ذلك المراهق الغاضب، قبل أن ترى فيه يدا تحمل حجرا، وأن تسأله السؤال الذي يسبق كل الأسئلة: ما الذي جعلك تشعر بأن الحجر هو آخر لغة بقيت لك؟ هناك، فقط، يبدأ التعليم الحقيقي. وهناك، ربما، تبدأ الجمهورية في إنقاذ نفسها. لأن المدرسة التي لا يتعلم فيها الشاب كيف يُسمع صوته دون أن يحطم شيئا، قد تكون علمته كل شيء عن الامتحانات… إلا الشيء الوحيد الذي تحتاجه الديمقراطية فعلا: كيف نختلف، ونبقى معا.
