المنصوري أم لقجع؟

حين يصبح قصر الحكومة مرآة لتحولات المغرب

بقلم د. عبد الرحمان مكاوي-باريس

لم تكن ليلة 23 شتنبر مجرد ليلة انتخابية عابرة في المغرب. فالنتائج المؤقتة التي أعلنها وزير الداخلية عبد الوافي لفتيت وضعت حزب الأصالة والمعاصرة في صدارة مجلس النواب بـ97 مقعدا، متقدما على التجمع الوطني للأحرار بـ66 والاستقلال بـ65، في مشهد يعيد ترتيب هندسة السلطة التنفيذية ويضع «البام» للمرة الأولى أمام الامتحان الأصعب: من سيحمل اسمه إلى قصر الحكومة؟ دستوريا، تبدو القاعدة واضحة: الفصل 47 يجعل تعيين رئيس الحكومة من الحزب المتصدر لانتخابات مجلس النواب. لكن الدستور يحدد الحزب، ولا يسمي الشخص. وبين النص الدستوري وحسابات الدولة والحزب والائتلاف، تبدأ المنطقة الأكثر إثارة في السياسة المغربية.

هنا يبرز اسمان، لكل واحد منهما دلالته: فاطمة الزهراء المنصوري وفوزي لقجع. المنصوري ليست اسما طارئا على «البام». فهي أمينته العامة منذ فبراير 2024، ووزيرة إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان، وعمدة مراكش، وصاحبة مسار انتخابي وحزبي طويل. وهي، فوق ذلك، تحمل في شخصها احتمالا سياسيا بالغ الرمزية: أن تدخل امرأة للمرة الأولى تاريخ رئاسة الحكومة المغربية. أما لقجع، فقد دخل اللعبة من باب مختلف تماما: باب الدولة التنفيذية والاقتصاد والرياضة والمشاريع الكبرى. وزير مكلف بالميزانية، ورئيس الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، وشخصية ارتبط اسمها بالصعود الدولي لكرة القدم المغربية وبالتحضير لمونديال 2030. انضمامه إلى «البام» في صيف 2026 نقل اسمه من دائرة التأثير التقني إلى قلب الحساب السياسي. المنصوري تمثل الحزب في صورته السياسية؛ ولقجع يمثل امتدادا أوسع لصورة الدولة الإنجازية.

فالمنصوري تملك الشرعية الحزبية والتنظيمية، فيما يمتلك لقجع رأسمالا تنفيذيا وإعلاميا وشعبيا راكمه خارج المدرسة الحزبية التقليدية. الأولى تأتي من داخل «البام» إلى رئاسة الحكومة؛ والثاني دخل «البام» حاملا معه وزنا سياسيا تشكل أساسا خارج الحزب. لكن المفاضلة الحقيقية لن تحسم بعدد المقاعد وحده. فـ97 مقعدا لا تصنع أغلبية، والحكومة المقبلة ستحتاج إلى تركيب ائتلاف يتجاوز الحسابات الرقمية إلى تفاهمات سياسية دقيقة. ومع عودة العدالة والتنمية إلى 54 مقعدا، وتراجع حلفاء الأمس، أصبح تشكيل الحكومة المقبلة أكثر تركيبا من مجرد تكليف زعيم الحزب الأول. ثم إن السياسة المغربية لا تقرأ كلها داخل البرلمان. فالملكية تحتفظ باختصاصات سيادية واسعة، فيما سيكون على رئيس الحكومة المقبل أن يتحرك داخل منظومة مؤسساتية تتقاطع فيها الشرعية الانتخابية مع متطلبات الاستقرار والتنمية والمشاريع الاستراتيجية الكبرى.

وهذا يجعل هوية رئيس الحكومة جزءا من هندسة أوسع، لا مجرد مكافأة انتخابية. لهذا، فإن السؤال الأكثر دقة ليس: من الأقرب؟ بل: أي صورة يريد المغرب أن يمنحها للحكومة المقبلة؟ صورة سياسية حزبية تقودها امرأة ذات مسار طويل داخل المؤسسات، بما يحمله ذلك من حمولة رمزية وتاريخية؛ أم صورة تنفيذية أكثر ارتباطا بالميزانية والمشاريع الكبرى والرهان الدولي، يمثلها رجل صعد نجمه في تقاطع الرياضة والاقتصاد والدولة؟ في الحالتين، هناك حقيقة واحدة باتت ثابتة: الانتخابات منحت «البام» مفتاح باب الحكومة، لكنها لم تمنحه بعد اسم صاحب المفتاح. ومن هنا تبدأ اللعبة الحقيقية. فبعد فرز الأصوات يبدأ فرز التوازنات؛ وبعد إعلان الحزب الأول يبدأ اختبار قدرته على بناء أغلبية؛ وبعد ذلك فقط يصبح اسم رئيس الحكومة قابلا للقراءة خارج الكواليس. لقد انتهى الاقتراع. أما سباق رئاسة الحكومة، فربما بدأ للتو.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *