في تصريح مدريد عن المغرب… انتهت الجعجعة وبقيت الحقيقة
بقلم زكية لعروسي, رئيسة التحرير-باريس
ثمة لحظات في السياسة لا تحتاج إلى كثير من الكلام، لأن كلمة واحدة فيها تستطيع أن تفعل ما تعجز عنه مئات الصفحات. وثمة تصريحات لا تأتي كخبر، بل كحجر يسقط في بركة راكدة، فيفضح دوائر الماء التي كانت تتسع فوقها بلا سبب. هذا ما حدث اليوم حين خرج رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز ليقول، بوضوح لا يحتاج إلى قاموس دبلوماسي، إن التحقيقات الجارية في أزمة سبتة لا تقدم أي معلومة تشير إلى مشاركة السلطات المغربية في ذلك التدفق الهائل للمهاجرين، وإن أجهزة الأمن والاستخبارات التي تتعاون معها الحكومة الإسبانية لا ترى ما يبرر تحميل المغرب المسؤولية. وبهذه الجملة، حدث شيء أكبر من مجرد نفي. سقطت قصة كاملة. سقطت تلك الرواية التي حاول البعض أن ينفخ فيها حتى تصير جبلا، بينما كانت في حقيقتها مجرد ظل على جدار. ومن حسن السياسة أحيانا أن تأتي الحقيقة متأخرة، لكنها تأتي وهي تحمل معها مقشة كافية لتنظيف المسرح.
لقد كان المشهد خلال الأسابيع الماضية يشبه مسرحا غريبا، تتدافع فوق خشبته الاتهامات قبل أن تصل الحقائق، وتتكاثر الأصوات قبل أن تصل التحقيقات، ويصبح الصراخ أسرع من الخبر، والتأويل أسرع من الدليل، والانفعال أسرع من العقل. ثم جاءت مدريد نفسها لتقول: لا توجد معلومات تشير إلى المغرب. هنا يجب أن نصمت قليلا. ليس احتراما للصمت، بل احتراما للمعنى. لأن السياسة، حين تنضج، لا تقاس بعدد الأصوات التي ترتفع فيها، بل بعدد الادعاءات التي تستطيع الحقيقة أن تخفضها. وما قاله سانشيز لا ينبغي أن يقرأ في المغرب بعين المنتصر الذي يشهر سيفه في وجه خصم سقط، بل بعين دولة تعرف أن الحقيقة، حين تأتي من الخارج، لا تحتاج إلى زغاريد. يكفي أن نضعها فوق الطاولة.
فالمغرب لم يكن بحاجة إلى أن تصنع له مدريد براءة. المغرب كان بحاجة فقط إلى أن تكشف مدريد ما لديها من معطيات. وهذا فرق شاسع. لأن البراءة التي تمنحها الخصومة ليست براءة. أما الحقيقة التي تخرج من فم الطرف الآخر، في لحظة كان يمكن له فيها أن يختار الاتهام، فلها وزن آخر. والأثقل من ذلك كله أن سانشيز لم يتحدث في فراغ. هو يتحدث عن أزمة هزت سبتة هزا عنيفا، وعن دخول عشرات الآلاف خلال يومين، وعن مدينة صغيرة وجدت نفسها أمام مشهد يفوق قدرتها الطبيعية على الاستيعاب، وعن ضحايا ومفقودين، وعن قلق اجتماعي وسياسي، وعن تحقيقات لم تغلق بعد. لقد كان يمكن، وسط هذا الركام كله، أن يبحث السياسي عن خصم جاهز. وكان اسم المغرب، في مثل هذه الحالات، أسهل الأسماء التي يمكن دفعها إلى مقدمة المسرح. لكنه لم يفعل. وهنا تكمن قيمة التصريح. ليس لأنه مجاملة للمغرب. بل لأنه، حتى هذه اللحظة، امتناع عن اختراع عدو لا تسنده المعلومات المتوفرة. وهذا في زمن أصبحت فيه السياسة أحيانا مصنعا ضخما للخصوم الوهميين، فعل له معنى.
لقد تحولت سبتة خلال الأيام الماضية إلى مرآة ضخمة. كل طرف حاول أن يرى فيها صورته. اليمين رأى فيها أزمة حدود. واليمين المتطرف رأى فيها وقودا انتخابيا. والغاضبون رأوا فيها دليلا على ضعف الدولة. والخائفون رأوا فيها نهاية العالم. والشبكات الاجتماعية حولتها إلى قدر يغلي على نار الإشاعة. أما الحقيقة فكانت تمشي في مكان آخر. كانت تمشي ببطء. مثل رجل عجوز يعرف أن الضجيج لا يغير الوقائع. ولهذا احتاجت الحقيقة إلى أسابيع حتى تصل إلى الميكروفون. لقد قال سانشيز إن ما جرى ارتبط أيضا بشائعات ومعلومات مضللة، وباستغلال شبكات إجرامية للمهاجرين، كما تحدث عن انتشار روايات عبر الشبكات الاجتماعية وربط بعضها بجهات خارجية. وهنا تبدأ القضية الحقيقية. لأن الخطر لم يعد فقط في الحدود. الخطر انتقل إلى الهاتف. لم تعد الحدود دائما سياجا من الحديد. قد تصبح رسالة واتساب. أو مقطع تيك توك. أو صورة بلا مصدر. أو خبرا ملفقا يرتدي بدلة الحقيقة.
لقد تغيرت هندسة الفتنة. في الماضي كان يكفيك رجل يحمل مكبرا للصوت كي تجمع حشدا. اليوم يكفيك هاتف في يد مجهولة كي تحرك آلاف الأجساد نحو البحر. وهنا تصبح المسألة أخطر من الهجرة. إنها مسألة سيادة على الحقيقة نفسها. من يملك القدرة على صناعة الرواية يملك أحيانا القدرة على صناعة الحدث. ومن يستطيع أن يقنع آلاف البشر أن بابا معينا لن يغلق، يستطيع أن يجعلهم يندفعون نحوه. وهكذا لا يعود التضليل مجرد كذبة. قد يصبح طريقا. وقد يتحول الطريق إلى موجة بشرية. وقد تتحول الموجة إلى مأساة. وقد تستيقظ مدينة كاملة لتكتشف أن إشاعة صغيرة كانت قادرة على تحريك تاريخها في ليلة. هذه هي المفارقة السوداء في عالمنا الجديد: الكذبة لم تعد تحتاج إلى أن تكون مقنعة. يكفي أن تكون سريعة. أما الحقيقة فتحتاج إلى تحقيق. والتحقيق يحتاج إلى وقت. والوقت هو الشيء الوحيد الذي لا تحبه الإشاعة.
ومن هنا، فإن التصريح الإسباني اليوم يجب أن يقرأ في المغرب بعيدا عن نشوة الانتصار. نحن لسنا بحاجة إلى أن نقول: رأيتم؟ ولا إلى أن نرفع أصبعنا في وجه أحد. ولا إلى أن نحول التصريح إلى نشيد. يكفي أن نقول شيئا أكثر هدوءا: لقد قيل ما قيل، ثم تكلمت المعطيات. وهذه وحدها جملة تكفي لدفن كثير من الضجيج. لأن الوطن الواثق لا يحتاج إلى الصراخ دفاعا عن نفسه كل خمس دقائق. الدولة التي تعرف وزنها لا تتصرف مثل شخص متهم يركض في الشارع ليشرح للناس أنه بريء. تنتظر. تجمع معطياتها. تراقب. ثم تتحدث عندما يكون للكلام وزن. وهذه ليست دعوة إلى الصمت. بل دعوة إلى هيبة الصمت الذي يسبق الحقيقة.
لقد اعتدنا في السنوات الأخيرة على نوع من الوطنية السريعة، وطنية تشبه القهوة الفورية: يكفي أن يثار موضوع حتى تبدأ التعليقات، ثم تبدأ الشتائم، ثم ترفع الأعلام، ثم تتعالى الأصوات، ثم يصبح كل من لا يصرخ خائنا، وكل من يسأل سؤالا مشبوها، وكل من ينتظر التحقيق متواطئا. وهذا ليس وطنية. هذا خوف يرتدي قميص الوطنية. الوطنية الحقيقية أكثر ذكاء. هي أن تعرف متى تتكلم. ومتى تنتظر. ومتى تدافع. ومتى تترك الوقائع تتولى الدفاع عنك. والمغرب، في قضية سبتة، لا يحتاج إلى أسطورة جديدة. لديه ما هو أثقل من الأساطير: المعطيات. وهذه المعطيات، كما نقلت مصادر اليوم عن تصريح سانشيز، لا تقدم ما يشير إلى مشاركة السلطات المغربية في الأزمة. كما أن نحو 90 في المائة من الذين دخلوا خلال يومي 30 و31 يوليو عادوا إلى المغرب في الأيام التالية، بحسب الأرقام التي عرضها رئيس الحكومة الإسبانية.
ولذلك، فإن كل ما قيل من قبل في اتجاه اتهام المغرب يجب أن يعود الآن إلى المكان الطبيعي الذي يجب أن تكون فيه كل الروايات السياسية: إلى غرفة الانتظار. هناك فقط يمكن فرز الحقيقة من الخيال. لا نريد أن نحول هذا التصريح إلى مناسبة للشماتة. فالسياسة لا تربح بالشماتة. نريد فقط أن نضع حدا للعادة السيئة التي تجعل بعض الأصوات تبدأ بالحكم قبل أن تبدأ المحكمة. فالذي اتهم المغرب قبل اكتمال التحقيق عليه أن يملك الآن شجاعة الرجوع إلى الوراء. والذي بنى خطابا كاملا على فرضية لم تثبت، عليه أن يراجع خطابه. والذي حول سبتة إلى منصة لصب الزيت على العلاقات المغربية الإسبانية، عليه أن يفسر لماذا كان مستعدا دائما لتصديق أسوأ رواية عن المغرب. هذه ليست مسألة كرامة فقط. إنها مسألة عقل. لأن الدول لا تبني علاقاتها على الانفعالات. تبنيها على المصالح، وعلى الثقة، وعلى قنوات الاتصال، وعلى المعلومات، وعلى معرفة أن الحدود ليست دائما مكانا للصدام، بل قد تكون أيضا مكانا لاختبار عقل الدول.
والمفارقة أن المغرب وإسبانيا، رغم كل تعقيدات التاريخ والجغرافيا والسياسة، يعرفان أكثر من غيرهما أن البحر الضيق بينهما ليس بحرا عاديا. إنه صفحة مكتوبة بالحبر والدم والتجارة والهجرة واللغة والحرب والسلام. إنه بحر صغير، لكنه يحمل فوق ظهره قرونا كاملة. ولهذا فإن العبث بالعلاقة بين البلدين ليس لعبة. لأن النار في مضيق صغير لا تحتاج إلى مساحة كبيرة كي تصل إلى مدن كثيرة. من هنا تأتي أهمية التصريح الإسباني. إنه لا يلغي التحقيق. ولا يغلق الملف. ولا يجيب عن كل الأسئلة. لكنه يفعل شيئا ضروريا: يمنع تحويل المغرب إلى متهم افتراضي. وهذا وحده مهم. والأهم أن يبقى العقل المغربي هادئا. لأن المغرب ليس في حاجة إلى أن يثبت مغربيته بالصراخ. ولا إلى أن يحول كل بيان أجنبي إلى مناسبة لتوزيع صكوك الوطنية. نحن نحتاج إلى وطنية أكثر نضجا. وطنية لا ترتجف أمام الشائعة. ولا تسكر بالتصريح المطمئن. وطنية تعرف أن المصالح الوطنية لا تحرسها الحناجر، بل المؤسسات. والحدود لا تحرسها التغريدات، بل الأجهزة. والصورة الدولية لا يصنعها الغضب، بل السلوك. والدبلوماسية ليست مباراة في رفع الصوت. إنها فن جعل الطرف الآخر يفهم أن استقرارك مصلحة له أيضا.
وهنا، ربما، يمكن فهم عمق التعاون المغربي الإسباني بطريقة أكثر واقعية. لأن ما حدث في سبتة، بكل مأساته، يذكر الجميع بحقيقة بسيطة: لا يمكن للبحر المتوسط أن يكون آمنا إذا كان الشاطئان ينامان على الشك. قد تختلف الدول. قد تتخاصم. قد تتفاوض. قد تصمت. لكن حين تكون الحدود مشتركة في جغرافيا واحدة، يصبح التعاون ليس فضيلة أخلاقية فقط، بل ضرورة عقلانية. وهذا هو الدرس الذي يجب أن يبقى بعد أن تنطفئ الميكروفونات. أما الجعجعة، فلتذهب حيث تذهب الجعجعة دائما. إلى الهواء. لقد كانت كثيرة. وكان الطحين قليلا. ثم جاءت جملة واحدة من مدريد، لا تحمل طبلا ولا مزمارا، فكنست نصف الغبار. قال الرجل إن المعطيات لا تشير إلى مشاركة المغرب. وانتهى.
لا حاجة إلى عشرين خطبة. لا حاجة إلى مئة تغريدة. لا حاجة إلى جيوش إلكترونية. لا حاجة إلى أن نرقص فوق سقوط رواية. يكفي أن نعرف أن الحقيقة لا تحتاج إلى موسيقى تصويرية. تدخل وحدها. مثل ضوء صغير من تحت باب مغلق. ثم تكبر. ثم يرى الجميع الغرفة. وربما يكون الدرس الأعمق من كل ما جرى أن عصرنا لم يعد يحتاج فقط إلى حماية الحدود. يحتاج إلى حماية العقول. فالمهاجر الذي قفز إلى الماء لم يكن يعرف ربما أن وراء الشاشة شخصا مجهولا يصنع له الطريق. والمدينة التي استيقظت على عشرات الآلاف لم تكن تعرف أن إشاعة يمكن أن تصبح، في غضون ساعات، جيشا بلا رايات. والدولة التي اتهمت كان يمكن أن تجد نفسها في قلب رواية لم تصنعها. هكذا يعمل العالم الجديد. لا يأتيك الخطر دائما من دبابة. قد يأتيك في صورة خبر. ولا يعبر الحدود دائما رجل. قد تعبرها فكرة. ولا يحتاج التدخل دائما إلى جاسوس. قد يحتاج فقط إلى هاتف.
ولهذا فإن أقوى حدود المغرب في المستقبل لن تكون فقط في البر والبحر. ستكون في وعي المغاربة. أن يعرف المغربي أن الخبر ليس حقيقة لمجرد أنه وصل إليه. وأن الوطنية ليست أن تصدق كل ما يقال عن وطنك، بل أن تملك من العقل ما يكفي لتعرف ما الذي يستحق التصديق. وأن الدفاع عن المغرب لا يكون بترديد كل رواية تخدمه، بل برفض الرواية الكاذبة حتى عندما تكون في صالحه. تلك هي الوطنية الصعبة. الوطنية التي لا تحتاج إلى مكياج. الوطنية التي تستطيع أن تقول: لا أعرف. انتظروا التحقيق. هاتوا الدليل. وهذه، في زمن الصراخ، شجاعة نادرة. لذلك لا أرى في تصريح سانشيز مناسبة لنرفع أصواتنا. بل مناسبة لخفضها. للنظر إلى المسافة. إلى البحر. إلى الحدود. إلى الجار. إلى المستقبل. وإلى تلك الحقيقة البسيطة التي تختبئ أحيانا تحت جبل من الكلام: المغرب ليس بحاجة إلى أن يربح كل معركة كلامية. يكفيه أن لا يخسر الحقيقة.
أما سبتة، فستبقى معلقة هناك، قطعة صغيرة من الجغرافيا تحمل فوق ظهرها تاريخا أكبر من مساحتها، وستبقى الأزمة مفتوحة على التحقيق والأسئلة، وقد أعلن سانشيز نفسه أنه سيواصل التحقيق في ما جرى. لكن شيئا واحدا ينبغي أن يكون قد انتهى اليوم: ذلك العرض الرديء الذي كان يريد أن يجعل من المغرب شماعة لكل ما لا يجد تفسيرا. الشماعة سقطت. والحائط بقي. والحائط يعرف صاحبه. أما من كان يعلق عليه المعاطف، فليبحث الآن عن مكان آخر. لقد انتهت الجعجعة. والآن، إذا كان لا بد من الكلام، فليكن كلاما له طحين. وللدولة التي تعرف أن الصمت أحيانا أقوى من ألف بيان، لا أملك إلا كلمة واحدة: استمروا في ترك الحقيقة تتكلم. فحين تتكلم الحقيقة، يصبح كثيرا من الكلام مجرد ضجيج يحاول أن يجد لنفسه قبرا.
📲 Partager sur WhatsApp