من شيراك إلى ماكرون: كيف تحولت سبتة من سؤال استعماري إلى حدود أوروبا

بقلم زكية لعروسي رئيسة التحرير-باريس

ليس أخطر ما قاله إيمانويل ماكرون عن سبتة أنه وصف ما جرى في الثلاثين من يوليو بأنه«هجوم». الأخطر هو السياق الذي وضع فيه الكلمة: إسبانيا تعرضت لهجوم، وأوروبا تعرضت لهجوم، وما جرى ليس مجرد حركة هجرة غير منظمة، بل حدث يدخل في حساب الأمن والتضامن الأوروبي. ثم أضاف حديثا عن «هجمات إعلامية» دفعت عشرات الآلاف، بحسب تحليله، إلى المخاطرة بحياتهم للوصول إلى سبتة. في السياسة، الكلمات لا تعبر عن الواقع فقط، بل تعيد بناءه. وحين تصبح سبتة في خطاب رئيس فرنسي «حدا أوروبيا تعرض لهجوم»، فإننا لا نكون أمام توصيف لأزمة هجرة فقط. نكون أمام انتقال تدريجي لمدينة متنازع على وضعها التاريخي والسياسي من خانة العلاقات المغربية الإسبانية إلى خانة الأمن الاوروبي. وهنا ينبغي للرباط أن تتوقف طويلا. ليس أمام كلمة ماكرون، بل أمام ما قد تنتجه هذه الكلمة إذا تحولت إلى قاموس سياسي مستقر. فالأرض قد تبقى في مكانها، بينما يتغير معناها في عقول الدول. وهذا أخطر ما يمكن أن يحدث في النزاعات الممتدة.

قبل سنوات طويلة كان جاك شيراك يرى المتوسط من نافذة مختلفة. خلال أزمة جزيرة ليلى سنة 2002، نقل رئيس الحكومة الإسباني الأسبق خوسيه ماريا أثنار، في رواية أوردها الصحفي إغناسيو سيمبريرو، أن شيراك اقترح عليه إعادة جزيرة ليلى وكل الصخور الإسبانية على الساحل المغربي، بل وسبتة ومليلية، إلى المغرب. الرواية ليست وثيقة رسمية فرنسية، وقد جرى نفيها من مقربين من شيراك، ولذلك لا يصح التعامل معها كحقيقة فرنسية رسمية مكتملة. لكنّها تظل شهادة سياسية ذات دلالة على طبيعة النقاش الذي كان يدور في باريس ومدريد حول العلاقة مع الرباط في تلك المرحلة. كان شيراك ينظر إلى المغرب من زاوية مختلفة: تاريخ، نفوذ، مصالح، ذاكرة استعمارية، توازن متوسطي، ومكانة خاصة للمملكة في السياسة الفرنسية. أما ماكرون فيتكلم من داخل أوروبا أخرى. أوروبا التي جعلت الهجرة قضية سيادية. أوروبا التي أعادت اكتشاف الحدود. أوروبا التي تحولت فيها الجغرافيا الجنوبية إلى خط دفاع شمالي. أوروبا التي لم تعد ترى المتوسط فاصلا بين عالمين، بل حزاما أمنيا يجب ضبطه. لهذا لا تكمن المسافة بين شيراك وماكرون في اختلاف شخصين فقط. إنها مسافة بين مرحلتين من التاريخ الفرنسي والأوروبي.

كان شيراك، في الرواية التي نقلها أثنار، مستعدا للنظر إلى سبتة ومليلية بوصفهما بقايا مسألة استعمارية يمكن التفكير في تسويتها. أما خطاب ماكرون فيضع سبتة داخل منظومة مختلفة تماما: حدود، أمن، تضامن أوروبي، هجرة، معلومات مضللة، حماية للاتحاد. وهنا حدث التحول الأخطر. لقد انتقلت سبتة من سؤال: من يملك هذه الأرض؟ إلى سؤال: من يحمي هذه الحدود؟ والفرق بين السؤالين هائل. الأول تاريخي وسياسي وسيادي. والثاني أمني وأوروبي واستراتيجي. وحين ينجح السؤال الثاني في ابتلاع السؤال الاول، يصبح النزاع المغربي الاسباني محكوما بقواعد جديدة. ليس لأن المغرب وافق عليها. بل لأن الآخرين بدأوا يستخدمونها. هذا هو المكان الذي ينبغي أن تكون فيه الدبلوماسية المغربية شديدة اليقظة. لا ينبغي للرباط أن تنجر إلى معركة لغوية مع باريس حول كلمة «هجوم» ثم تنتهي المسألة عند حدود البيان. المطلوب أعمق. المطلوب أن تسأل فرنسا، بهدوء سياسي صارم: إذا كانت سبتة حدودا أوروبية، فكيف وصلت الحدود الأوروبية إلى هذا المكان؟ هل تستطيع أوروبا أن تتحدث عن حماية الحدود من دون أن تتحدث عن تاريخ الحدود؟ هل يمكن أن تتحول الحدود التي خلفها الاستعمار إلى حدود اوروبية محمية باسم الامن الجماعي، ثم يطلب من المغرب أن يتعامل معها باعتبارها حقيقة نهائية؟ وهل يصبح طول الاحتلال معيارا للشرعية؟ إذا كان الامر كذلك، فما الذي بقي من فكرة تصفية الاستعمار نفسها؟

هذه ليست أسئلة خطابية. إنها أسئلة استراتيجية. وهي أكثر فائدة للمغرب من أي رد فعل غاضب. المغرب يعرف أن فرنسا ليست إسبانيا. ويعرف أيضا أن باريس لا تحتاج إلى أن تتبنى الموقف المغربي حتى تكون العلاقة معها مهمة. لكن المغرب يحتاج إلى أن يجعل فرنسا تفهم أن احترام المصالح المشتركة لا يمكن أن يقوم على تجاهل الذاكرة المغربية. هناك فارق بين أن تطلب الرباط من باريس تأييد موقفها بالكامل، وبين أن تطلب منها ألا تتحول إلى طرف في إعادة صياغة النزاع بلغة تلغي أحد أطرافه. وهذه نقطة دقيقة. فالمغرب لا يحتاج إلى فرنسا كي تقول إن سبتة مغربية. يحتاج إلى فرنسا كي تفهم لماذا لا يستطيع المغرب قبول تحويل سبتة من قضية تاريخية وسيادية إلى مجرد «حد خارجي للاتحاد الأوروبي». هذا فرق بين طلب الدعم وفرض الاحترام. والدول التي تعرف وزنها تطلب الاحترام قبل أن تطلب الاصطفاف. ثم هناك الجانب الأكثر حساسية في كلام ماكرون. الهجرة. من حق إسبانيا أن تطلب التضامن الأوروبي في مواجهة دخول جماعي غير منظم. ومن حق الدول الأوروبية أن تناقش أمن حدودها. لكن وصف ما حدث بأنه «هجوم» يفتح بابا آخر. لأن المهاجر الذي يعبر الحدود يمكن أن يكون في الوقت نفسه ضحية للفقر والاستغلال والفوضى، وشخصا يدخل أرضا بطريقة غير قانونية. لكن متى يتحول هذا الشخص من مهاجر إلى مهاجم؟ ومن يحدد ذلك؟ وبأي معيار؟ وهل يمكن أن يصبح البؤس نفسه أداة في تعريف التهديد؟

هذه ليست أسئلة عاطفية. إنها أسئلة حول اللغة التي ستبنى عليها سياسات الهجرة المقبلة. حين تسمى الظاهرة «أزمة»، يكون الحل سياسيا وإنسانيا. وحين تسمى «هجوما»، يصبح الحل أمنيا. الكلمة هنا ليست وصفا. الكلمة مفتاح. ولا ينبغي أيضا أن يقع المغرب في الخطأ المعاكس، أي أن ينكر البعد الأمني للهجرة الجماعية. الدولة المغربية تعرف جيدا مخاطر الهجرة غير النظامية، وتعرف أن شبكات التهريب تستغل الفقر واليأس، وتعرف أن الحدود تحتاج إلى تدبير. لكن الاعتراف بالبعد الأمني لا يعني قبول كل تعريف سياسي للحدث. يمكن للمغرب أن يقول: نعم، هناك أزمة هجرة. نعم، هناك حاجة إلى أمن الحدود. نعم، هناك حاجة إلى تعاون مع إسبانيا وأوروبا. لكن لا، هذا لا يحول تلقائيا سبتة إلى حقيقة سياسية فوق التاريخ. هذه هي المساحة التي ينبغي أن تتحرك فيها الرباط. مساحة العقل لا الانفعال. لقد تغيرت قواعد اللعبة. في الماضي كانت قضية سبتة ومليلية محكومة أساسا بعلاقة المغرب بإسبانيا. اليوم هناك مدريد وبروكسيل وباريس، وهناك ملف الهجرة، وهناك الامن، وهناك الاتحاد الاوروبي، وهناك حرب السرديات. ولهذا فإن الرد المغربي لا ينبغي أن يكون ثنائيا. لا يكفي أن يخاطب مدريد. ينبغي أن يخاطب أوروبا أيضا. لا بخطاب تعبوي، بل بملف سياسي متكامل: تاريخ المدينتين. موقف المغرب الثابت. الخصوصية الاستعمارية للنزاع. التناقض بين خطاب تصفية الاستعمار واستمرار الجيوب الأوروبية في شمال إفريقيا. المصالح المشتركة مع إسبانيا. التعاون في الهجرة. ضرورة احترام المصالح المغربية. والفرق بين التعاون الأمني وبين التنازل عن الموقف السيادي. هنا تصبح الدبلوماسية صناعة معرفة، لا صناعة بيانات.

وهناك ورقة أخرى أكثر أهمية مما يبدو. المغرب تغير. لم يعد المغرب الذي كان ينتظر من القوى الأوروبية أن تعترف به كي يشعر بقيمته. طنجة المتوسط ليست مجرد ميناء. والشمال المغربي ليس مجرد خلفية لسبتة ومليلية. الناظور غرب المتوسط ليس مجرد مشروع اقتصادي. هذه كلها أجزاء من عملية أوسع: إعادة بناء الشمال المغربي بحيث يصبح المجال المقابل للمدينتين أكثر قوة وجاذبية واتصالا بالاقتصاد العالمي. وهنا توجد سياسة عميقة لا تحتاج إلى شعار. فالسيادة لا تقاس فقط بالعلم. تقاس أيضا بمكانة الاقتصاد الذي يقف خلف العلم. وبقوة الدولة التي تحميه. وبشبكة المصالح التي تجعل الآخرين يحتاجون إليها. قد لا تغير التنمية الحدود على الخريطة. لكنها تغير وزن الخريطة. وهذا، في السياسة الدولية، ليس تفصيلا. لذلك لا ينبغي للمغرب أن يحن إلى شيراك. هذه ربما أهم خلاصة. ليس المطلوب أن يأتي رئيس فرنسي آخر ويتبنى موقف المغرب. المطلوب أن يصبح المغرب قويا إلى الحد الذي لا يحتاج فيه إلى رئيس فرنسي يدافع عن قضيته. شيراك كان مفيدا للمغرب. لكن شيراك لن يعود. والعالم الذي صنع شيراك لم يعد موجودا. الرهان الحقيقي هو أن يصنع المغرب موقعه داخل العالم الجديد. لا أن يبحث عن رجل من العالم القديم. وإذا كانت زيارة فيليبي السادس إلى سبتة ومليلية في أكتوبر ستمنح اسبانيا فرصة لتأكيد حضورها، فإن رد المغرب لا ينبغي أن يمنح الزيارة فرصة لتغيير مركز النقاش. يمكن لملك إسبانيا أن يزور المدينتين. يمكن لإسبانيا أن ترفع أعلامها. يمكن لفرنسا أن تعلن تضامنها مع إسبانيا. يمكن لأوروبا أن تتحدث عن حدودها. لكن المغرب يستطيع أن يحتفظ بموقفه من دون أن يحول كل ذلك إلى أزمة شاملة. وهذه ليست علامة ضعف. بل قد تكون أقصى درجات القوة السياسية. أن تعرف الدولة أن خصمها يريد أن يستدرجها إلى معركة رمزية، فتختار هي المعركة التي تناسبها.

إن المغرب أمام تحول فرنسي ينبغي أن يؤخذ بجدية، لكن لا ينبغي تضخيمه. ماكرون لم يعلن موقفا جديدا من السيادة على سبتة ومليلية. ولم يقل إن المغرب تخلى عن حقه التاريخي. ولم تتحول فرنسا رسميا إلى طرف في النزاع السيادي. لكن اللغة التي استخدمها تكشف تغيرا في البيئة السياسية التي تتحرك فيها القضية. وهذا هو المهم. التحولات الكبرى تبدأ أحيانا قبل أن تتحول إلى قرارات. تبدأ في الكلمات. ثم تدخل البيانات. ثم تصبح سياسات. ثم تتحول إلى مؤسسات. ثم يستيقظ الجميع ليكتشفوا أن الخريطة لم تتغير، لكن طريقة العالم في قراءتها قد تغيرت. وهنا بالضبط يجب أن يكون المغرب مستيقظا. قد يكون من المشروع أن تتساءل الرباط عن معنى التضامن الأوروبي مع إسبانيا.لكن عليها أيضا أن تسأل أوروبا عن معنى التضامن مع المغرب. إذا كانت الحدود الاوروبية مقدسة، فهل المصالح المغربية أقل قداسة؟ إذا كان أمن إسبانيا قضية اوروبية، فهل أمن المغرب قضية ثانوية؟ إذا كانت أوروبا تطلب من الرباط التعاون في حماية حدودها الجنوبية، أليس من حق المغرب أن يطلب منها في المقابل تفهما أكبر لملفاته السيادية والتاريخية؟ هنا تصبح المعادلة أكثر نضجا. لا نطلب من أوروبا أن تحب المغرب. نطلب منها أن تفهمه. ولا نطلب منها أن تتبنى روايته. نطلب منها ألا تتصرف وكأن روايته غير موجودة.

ليست المسألة شيراك وماكرون. إنهما علامتان على طريق أطول. شيراك يمثل لحظة كانت فيها فرنسا قادرة على أن تنظر إلى المغرب كدولة ذات خصوصية تاريخية داخل الفضاء المتوسطي. وماكرون يمثل لحظة أصبحت فيها فرنسا مضطرة إلى أن تنظر إلى إسبانيا من داخل مشروع أوروبي أمني أكثر تماسكا. بين الرجلين تحركت فرنسا. وتحركت أوروبا. والسؤال الآن: هل يتحرك المغرب بالسرعة نفسها؟ ليس المقصود أن يغير موقفه. بل أن يغير أدوات الدفاع عنه. أن ينتقل من رد الفعل إلى صناعة الإطار. من الاحتجاج إلى التأثير. من انتظار المواقف الأوروبية إلى بناء المصالح التي تصنع تلك المواقف. من سؤال «من معنا؟» إلى سؤال أكثر قوة: من يستطيع أن يتجاهلنا؟ هذه هي النقلة التي تحتاجها القضية. لأن سبتة ومليلية ليستا ملفا ينبغي أن ينام في أدراج الخارجية ثم يستيقظ كلّما زار ملك إسباني المدينتين. إنهما جزء من سؤال أعمق حول علاقة المغرب بماضيه وبجغرافيته وبأوروبا. والجواب لا يصنعه الغضب. يصنعه الزمن حين تسنده دولة تعرف ماذا تريد.

لذلك، إذا كانت فرنسا قد انتقلت من شيراك إلى ماكرون، فلا ينبغي للمغرب أن ينتقل من الغضب إلى اليأس. ينبغي أن ينتقل من انتظار فرنسا التي يفترض أن تكون صديقة للمغرب إلى بناء مغرب يجعل صداقته مصلحة لا مجاملة. عندها فقط يصبح ممكنا أن يقول المغرب لأوروبا، من دون صراخ: نحن شركاؤكم في الأمن. نحن شركاؤكم في المتوسط. نحن شركاؤكم في الاقتصاد. لكننا لسنا تابعين لكم في التاريخ. وإذا كنتم تريدون أن نحمي حدودكم، فعليكم أن تفهموا حدود ذاكرتنا. وإذا كنتم تريدون منا أن نحرس جنوب أوروبا، فعليكم أن تعرفوا أن جنوب أوروبا ليس بلا تاريخ. هناك شعب ينظر إلى البحر منذ قرون. ويرى في الضفة المقابلة مدنا لم تغادر ذاكرته. وقد يطول الانتظار. لكن طول الانتظار لا يعني موت القضية. يعني فقط أن السياسة، حين تنضج، تتعلم أن تترك الزمن يعمل معها. وهنا يكمن الامتحان الحقيقي للمغرب: ليس أن يصرخ حين يتغير خطاب فرنسا، بل أن يصبح من القوة والعمق بحيث لا يستطيع أي خطاب فرنسي، أيا كان صاحبه، أن يغير موقع المغرب في معادلة المتوسط.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *