بقلم عبد الله شوكا, كاتب وصحافي- المغرب
هناك أحداث في التاريخ لا تنتهي بانتهاء لحظتها، بل تظل مفتوحة على الأسئلة، وتنتقل من جيل إلى آخر محملة بالشكوك والتفسيرات والفرضيات. ولعل اغتيال الرئيس الأمريكي جون كينيدي، في 22 نوفمبر 1963 بمدينة دالاس، واحد من أكثر الأحداث التي حافظت على قدرتها على إثارة الجدل، رغم مرور أكثر من ستة عقود عليها. من أطلق الرصاصة التي أنهت حياة الرئيس الأمريكي الشاب؟ وهل كان لي هارفي أوزوالد وحده وراء العملية، كما خلصت لجنة وارن، أم أن هناك تفاصيل أخرى لم تكشف عنها التحقيقات بصورة تقنع الجميع؟ ولماذا ظل هذا السؤال حاضراً في الثقافة السياسية والإعلامية الأمريكية والعالمية إلى اليوم؟ هذه الأسئلة لا تزال تجد طريقها إلى الأفلام الوثائقية والكتب والدراسات، حيث تتعدد الروايات وتختلف القراءات، فيما تبقى بعض جوانب القضية موضع نقاش تاريخي مستمر.
في ذلك اليوم من نوفمبر 1963، كان كينيدي يجوب شوارع دالاس في سيارة مكشوفة، وسط حشد من المواطنين. خلال ثوانٍ قليلة، تحولت المناسبة إلى واحدة من أكثر اللحظات صدمة في التاريخ السياسي الأمريكي الحديث. مشاهد السيارة، الرئيس وزوجته جاكلين إلى جانبه، ثم إطلاق النار وسقوط الرئيس، أصبحت لاحقا صورا تختصر مأساة سياسية وإنسانية كاملة. ومنذ اللحظة الأولى، لم يكن السؤال فقط: من أطلق النار؟ بل أيضا: هل كان ما حدث نتيجة فعل فردي أم جزءا من مؤامرة أوسع؟ التحقيق الرسمي الذي قادته لجنة وارن خلص إلى أن أوزوالد تصرف بمفرده، كما خلص إلى أن جاك روبي، الذي قتل أوزوالد بعد يومين، لم يكن جزءا من مؤامرة مرتبطة باغتيال الرئيس. لكن مرور الزمن لم يضع حداً للجدل. فقد ظهرت على مدى العقود التالية نظريات متعددة تربط الاغتيال بجهات وشخصيات مختلفة، من دون أن تحظى هذه الفرضيات جميعها بتأييد الأدلة التاريخية المتاحة. وهنا تكمن إحدى مفارقات قضية كينيدي: كلما تراكمت الوثائق والشهادات، بدا أن السؤال أصبح أكثر حضورا في الذاكرة العامة، لا أقل.
لماذا كينيدي؟ ربما يكون هذا هو السؤال الأعمق. لم يكن جون كينيدي مجرد رئيس أمريكي اغتيل في وضح النهار؛ كان شخصية سياسية استثنائية في زمن شديد التوتر، تولى الرئاسة في ذروة الحرب الباردة، وعاش خلال سنواته القليلة في البيت الأبيض أزمات دولية كبرى، من بينها أزمة الصواريخ الكوبية، ومواجهة الاتحاد السوفياتي، وتوترات متصاعدة في مناطق مختلفة من العالم. كما ارتبط عهده بخطاب سياسي ركز على المسؤولية الدولية، والفضاء، والحقوق المدنية، والسلام، وإدارة التنافس مع الخصوم الدوليين في مرحلة كانت فيها البشرية تعيش تحت ظل الخوف من حرب نووية. ولهذا، فإن اغتياله لم يكن مجرد جريمة ضد شخص؛ لقد كان حدثا هزّ صورة القوة الأمريكية وأعاد طرح أسئلة عميقة حول طبيعة السياسة الدولية والصراعات داخل الدول وفي ما بينها. لكن من الضروري هنا الفصل بين ما هو موثق تاريخيا وما هو مجرد افتراض. فلا توجد، في حدود الأدلة التاريخية المتاحة، قاعدة موثوقة تسمح بالجزم بأن كينيدي اغتيل بسبب مشروع سري للسلام العالمي، أو بسبب رفضه سياسات أمريكية معينة. مثل هذه الأفكار ظهرت في عدد من الروايات والنظريات، لكنها تظل بحاجة إلى أدلة قاطعة حتى تتحول من فرضيات إلى حقائق تاريخية.
ربما لا تكمن قوة قضية كينيدي في الغموض وحده، وإنما في الطريقة التي تشكلت بها الذاكرة الجماعية حولها. فالرئيس الشاب، الأنيق، الذي دخل البيت الأبيض في سن مبكرة، أصبح بعد اغتياله رمزا لجيل كامل. صورته إلى جانب زوجته جاكلين، ومشهد السيارة الرئاسية، وتغطية وسائل الإعلام العالمية للحادث، كلها عناصر ساهمت في تحويل الاغتيال من واقعة سياسية إلى أسطورة من أساطير القرن العشرين. وفي المغرب، كما في بلدان عربية أخرى، ترسخت القضية في الذاكرة الشعبية بطريقة طريفة أحيانا. ولعل العبارة المتداولة: «وما لي أنا قاتل كينيدي؟»، التي تقال في سياقات شعبية عندما تتجه أصابع الاتهام إلى شخص لا علاقة له بالموضوع، تكشف كيف خرج اسم كينيدي من كتب التاريخ ووثائق السياسة ليصبح جزءا من التعبير اليومي. وهذه، في حد ذاتها، علامة على قوة الحضور الرمزي للرجل في الذاكرة الشعبية.
ليست قضية كينيدي الوحيدة التي ظلت مفتوحة على التأويل. التاريخ الحديث مليء باغتيالات وحوادث غامضة لشخصيات سياسية وفنية وعامة، تحولت مع مرور الزمن إلى مادة خصبة للوثائقيات والكتب والنظريات. لكن الخطر يبدأ عندما تتحول الفرضية إلى حقيقة لمجرد تكرارها. ومن هنا تأتي أهمية التمييز بين السؤال المشروع وبين الإجابة غير الموثقة. فمن حق الباحث والصحافي أن يسأل: ماذا حدث؟ وما الذي نعرفه يقينا؟ وما الذي لا نعرفه؟ وما الوثائق التي ما زالت سرية أو موضع نقاش؟ لكن من واجبه أيضا ألا يملأ فراغ المعلومات بالاستنتاجات القطعية. وهذا ينطبق كذلك على وفاة الأميرة ديانا في باريس عام 1997. فقد أثارت وفاتها سلسلة طويلة من النظريات والشكوك، بما في ذلك فرضيات تحدثت عن اغتيال متعمد بسبب علاقتها بدودي الفايد. غير أن التحقيقات الرسمية البريطانية والفرنسية لم تثبت هذه الفرضيات، ولذلك تبقى ضمن دائرة الروايات المتداولة، لا الحقائق المثبتة.
ربما يكون الدرس الأهم الذي تمنحنا إياه قضية كينيدي هو أن التاريخ لا يُكتب دائماً من خلال الإجابات السريعة. هناك وقائع ثابتة، وهناك وثائق، وهناك شهادات، وهناك استنتاجات، وهناك أيضاً مساحات من عدم اليقين. ومهمة الصحافة الجادة ليست أن تختار أكثر الروايات إثارة، وإنما أن تضع القارئ أمام ما نعرفه وما لا نعرفه، وأن تترك له مساحة التفكير. بعد أكثر من ستين عاماً، لا يزال السؤال حاضرا: من قتل جون كينيدي؟ الإجابة الرسمية معروفة، لكن الجدل التاريخي لم ينتهِ. وربما لهذا السبب تحديدا ظل اسم كينيدي حاضراً في الذاكرة العالمية. فبعض الأحداث تنتهي في سجلات التاريخ، بينما تستمر أسئلتها في ذاكرة البشر. وقد يكون ذلك هو المصير الطبيعي للأحداث الكبرى: أن تترك وراءها، إلى جانب الحقائق، أسئلة لا يكفي الزمن وحده لإغلاقها.
