الدبلوماسية المغربية.. حين يكون الفعل أبلغ

بقلم الإعلامي حيمري البشير, بركان-المغرب

في العلاقات الدولية، ليست كل المعارك تُخاض أمام عدسات الكاميرات، ولا تُقاس قوة الدول بارتفاع نبرة التصريحات أو بكثرة البيانات والردود الإعلامية. فالدبلوماسية الحقيقية هي القدرة على تحويل المواقف السياسية إلى مكاسب استراتيجية، وعلى بناء التحالفات، وفتح الأسواق، وتوسيع هامش الحركة، والدفاع عن المصالح الوطنية بهدوء وثبات وبعد نظر. ومن هذا المنظور، فإن تصريحات عدد من المسؤولين الحكوميين المغاربة بشأن مغربية سبتة ومليلية لا ينبغي أن تُقرأ باعتبارها مواقف شخصية عابرة أو ردود فعل ظرفية، بل باعتبارها تعبيرا عن موقف وطني راسخ تجاه قضية ذات امتداد تاريخي وسياسي عميق في الوجدان المغربي.

فموقف المغرب من المدينتين واضح، ولا يحتاج إلى كثير من التأويل: سبتة ومليلية جزء من ملف استكمال الوحدة الترابية، وهو ملف لا يمكن أن يصبح رهينة لتقلبات المزاج السياسي في هذه العاصمة الأوروبية أو تلك. وإذا كانت بعض الأصوات داخل إسبانيا تنظر إلى المدينتين باعتبارهما مدينتين إسبانيتين، فإن من الطبيعي، في المقابل، أن يتمسك المغرب برؤيته التاريخية والسياسية، وأن يعبر مسؤولوه عنها دون تردد أو مواربة. الخلاف، إذن، ليس في وجود الموقف المغربي، وإنما في كيفية إدارة هذا الخلاف داخل منظومة علاقات تجمع المغرب وإسبانيا بمصالح اقتصادية وأمنية وتجارية واستراتيجية ضخمة. وهنا تحديداً تظهر قيمة الدبلوماسية الهادئة التي لا تستدرجها الاستفزازات إلى ردود فعل انفعالية، ولا تجعل من كل تصريح صادر من الضفة الشمالية للمتوسط مناسبة لمباراة في التصعيد الإعلامي.

منطق المصالح بدل منطق الضجيج

لقد أثبتت التجربة خلال السنوات الأخيرة أن الدبلوماسية المغربية تتحرك وفق منطق مختلف؛ منطق يقوم على تنويع الشراكات، وتوسيع شبكة المصالح، وتعزيز موقع المغرب بوصفه منصة اقتصادية ولوجستية تربط أوروبا بإفريقيا، والبحر المتوسط بالمحيط الأطلسي. وفي هذا السياق تكتسب زيارة وزير الخارجية المغربي ناصر بوريطة إلى الدنمارك ولقاؤه بنظيره الدنماركي لارس لوكه راسموسن أهمية تتجاوز حدود البروتوكول الدبلوماسي. فالدار البيضاء وطنجة والناظور لم تعد تُطرح في الحسابات الاقتصادية المغربية باعتبارها مجرد موانئ وطنية، بل باعتبارها مكونات أساسية في مشروع جيو-اقتصادي يسعى إلى جعل المغرب مركزا لوجستيا وتجاريا إقليميا ودوليا.

والرهان هنا أكبر من مجرد نقل نشاط شركة من ميناء إلى آخر. إنه رهان على إعادة تشكيل خرائط التجارة وسلاسل الإمداد في غرب المتوسط، وعلى تقديم المغرب باعتباره فضاء مستقرا وقادرا على استقبال الاستثمارات الكبرى، وخصوصا تلك المرتبطة بالنقل البحري واللوجستيك والطاقة والصناعات المستقبلية. ومن الخطأ اختزال هذه الدينامية في عبارة “ضربة لإسبانيا” فقط. فالدبلوماسية الاقتصادية الناجحة لا تقوم أساسا على إلحاق الضرر بالجار، وإنما على خلق بدائل تجعل المغرب شريكا لا غنى عنه. وكلما ارتفعت جاذبية الموانئ والبنيات التحتية المغربية، ارتفعت في المقابل قدرة الرباط على التفاوض من موقع قوة. إنها، ببساطة، دبلوماسية الفعل الهادئ.

المغرب لا يرد دائما بالكلمات

ولعل من أكثر الأمور دلالة في السياسة الخارجية المغربية أن الرباط لا تشعر بالحاجة إلى الرد على كل حدث بتصريح ناري، ولا إلى الدخول في سجال يومي مع هذه الدولة أو تلك. هناك فرق بين دولة تستهلك قوتها في البيانات، ودولة توظف قوتها في بناء شبكة مصالح تجعل الآخرين يعيدون حساباتهم. والمغرب، وهو يوسع علاقاته مع الدنمارك ودول شمال أوروبا وغيرها، يبعث برسالة واضحة: السياسة الخارجية المغربية لا تتحرك داخل محور واحد، ولا تجعل العلاقة مع دولة بعينها شرطاً لعلاقاتها مع بقية العواصم. هذه الاستراتيجية تمنح الرباط مساحة أوسع للمناورة، وتُخرج علاقاتها الخارجية من منطق رد الفعل إلى منطق المبادرة. ومن هنا يمكن فهم الاهتمام المتزايد بالشراكات المغربية في مجالات الموانئ واللوجستيك والطاقة الخضراء والهيدروجين الأخضر والاستثمار الصناعي. فالمنافسة في عالم اليوم لا تُحسم فقط في قاعات المؤتمرات السياسية، وإنما تُحسم أيضا على خرائط الموانئ، وفي عقود الاستثمار، وفي شبكات النقل والطاقة وسلاسل التوريد.

ملف الهجرة.. سيادة متبادلة ومسؤولية مشتركة

ومن الجوانب اللافتة كذلك في النقاشات المغربية الدنماركية مسألة الهجرة غير النظامية وترحيل المواطنين المغاربة الموجودين في وضعية غير قانونية. الموقف الذي يعترف بحق الدولة في تطبيق قوانينها على أراضيها لا يتناقض، من حيث المبدأ، مع الدفاع عن مصالح مواطنيها. فكما أن من حق الدنمارك، باعتبارها دولة ذات سيادة، أن تضع سياسات لمواجهة الهجرة غير النظامية، فإن من حق المغرب أيضا أن يحرص على أن تتم عمليات الترحيل في إطار القانون، وبما يحفظ كرامة الأشخاص ويضمن احترام الاتفاقيات الثنائية والدولية. وهذا النوع من التعاطي البراغماتي هو الذي يسمح للدول بمعالجة الملفات الحساسة بعيدا عن المزايدات السياسية. فالهجرة ليست قضية مغربية أوروبية فقط، وإنما قضية متعددة الأبعاد، تتداخل فيها التنمية والأمن والاندماج والبطالة وحماية الحدود والمسؤولية المشتركة. والمقاربة الأكثر نجاعة ليست تلك التي ترفع الشعارات، بل تلك التي تبحث عن حلول قابلة للتنفيذ وتحفظ مصالح جميع الأطراف.

نحو شراكة مغربية دنماركية أكثر عمقا

إن الاتفاقات والتفاهمات التي أُعلن عنها خلال زيارة وزير الخارجية المغربي إلى الدنمارك تفتح، في تقديري، صفحة جديدة في العلاقات بين الرباط وكوبنهاغن. والأهم أن هذه العلاقات لا ينبغي أن تبقى محصورة في المجال السياسي والدبلوماسي، بل يجب أن تمتد إلى الاقتصاد والتجارة والطاقة المتجددة واللوجستيك والاستثمار والتعليم والابتكار. وإذا كان من المنتظر أن يقوم وزير الخارجية الدنماركي بزيارة إلى المغرب لتعميق النقاش وتفعيل ما تم الاتفاق بشأنه، فإن الرهان الحقيقي سيكون في الانتقال من مرحلة التوقيع إلى مرحلة التنفيذ. فالاتفاقيات لا تصنع وحدها النفوذ؛ الذي يصنع النفوذ هو تحويلها إلى مشاريع واستثمارات ومصالح متبادلة. وهنا تكمن قوة النموذج المغربي: بناء المصالح قبل البحث عن التصفيق، وتوسيع الشراكات قبل الدخول في سجالات عقيمة، وتحويل الجغرافيا إلى قوة اقتصادية وسياسية.

سبتة ومليلية.. موقف ثابت ودبلوماسية متدرجة

أما ملف سبتة ومليلية، فإنه سيظل، دون شك، من أكثر الملفات حساسية في العلاقات المغربية الإسبانية. لكن قوة الموقف المغربي لا تحتاج إلى تحويل القضية إلى أزمة مفتوحة مع مدريد في كل مناسبة. فالسياسة ليست سباقا في إطلاق التصريحات، وإنما هي فن إدارة الزمن والانتظار وبناء عناصر القوة. وإذا كان المغرب يؤكد باستمرار تشبثه بمغربية المدينتين، فإن ذلك لا يمنع في الوقت ذاته من الحفاظ على علاقات استراتيجية مع إسبانيا، لأن الجغرافيا تفرض التعاون، والمصالح المشتركة تجعل الحوار ضرورة لا خيارا. وهذه ربما هي المفارقة التي يصعب على بعض المراقبين فهمها: يمكن للمغرب أن يختلف مع إسبانيا حول قضية سيادية، وأن يتعاون معها في الوقت نفسه في الأمن والهجرة والاقتصاد والطاقة والتجارة. ذلك هو منطق الدولة الحديثة؛ أن تعرف كيف تفصل بين الملفات، وأن تدير الاختلاف دون أن تحرق جسور التعاون.

الدبلوماسية التي تتحدث عندما يكون الكلام ضروريا

لا يبدو أن الدبلوماسية المغربية اليوم في حاجة إلى إثبات حضورها عبر الضجيج. فالحضور الحقيقي هو بمدى اتساع دائرة الشراكات، وبقدرة الاقتصاد على استقطاب الاستثمارات، وبمكانة الموانئ، وبحجم المبادلات، وبعدد الدول التي ترى في المغرب شريكا مستقرا وموثوقا. ولذلك، فإن أفضل رد على من يتساءل عن غياب “الرد الثقيل” في كل أزمة أو خلاف، هو أن السياسة الخارجية لا تُدار بمنطق المشاجرات اليومية. أحيانا يكون أقوى رد هو مشروع استثماري. وأحيانا يكون أقوى تصريح هو اتفاق اقتصادي. وأحيانا تكون الرسالة الأكثر وضوحاً هي أن الدولة التي تتعرض لضغوط في جبهة ما، تفتح في المقابل أبوابا جديدة في جبهات أخرى. تلك هي الدبلوماسية التي لا ترفع صوتها كثيرا، لكنها تغيّر موازين المصالح. ففي عالم تتراجع فيه قيمة الشعارات أمام قوة المصالح، يبدو أن المغرب اختار أن يجعل من الفعل لغته الدبلوماسية الأهم، ومن تنويع الشراكات رافعة لنفوذه، ومن الصبر الاستراتيجي وسيلة لإدارة الملفات الكبرى. والتاريخ، في نهاية المطاف، لا يحكم على الدول بما قالته في لحظة غضب، وإنما بما استطاعت أن تبنيه عبر الزمن.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *