من يوميات الحرب

عثمان حسين, كاتب وشاعر فلسطيني-غزة

30 أكتوبر 2023

حتى كتابة هذه الكلمات، يودّع اليوم الرابع والعشرون نفسه، ملقيا جرائمه في وجه التاريخ. وفي ساعتيه الأخيرتين، شعرت بهدوء امتد من ظهيرة اليوم حتى المساء. غدا يوم جديد برقم جديد، وذاكرة لا نعرف ماذا ستخبئ لنا. صوت الزنّانة يهيمن على الموجودات، وعلى مدار الوقت، حتى أمسى طنينا متواصلا يشكّل خلفية لحياتنا ويسكن تفاصيلنا اليومية. لم تطلب بهية مني توضيح ماهية أيّ من انفجارات هذا المساء، التي يمكن أن تعكّر مزاجها، خصوصا أنها تدندن مع أغنية تحبها، وتجلس مع هاتفها غير بعيد، لكن بحضور طاغ في المكان. سيل الأخبار يتدفق، وأصوات الطائرات لم تتوقف منذ الصباح. وكثر الحديث عن ممر إنساني لإدخال المساعدات. هل الهدوء الكاذب هو من يعبّد الطريق أمام الممر الإنساني؟ في اليوم الأول من الحرب يبدأ العدّ التصاعدي، وتأخذ الأيام أرقامها، ويُعرَف اليوم برقمه. فمثلًا، أُصيب بيتي بقذائف المدفعية في اليوم الثالث. أما باقي الأيام، فتنسب إلى هول المذابح التي ارتُكبت ضمن نطاق ساعات هذا اليوم أو ذاك. في اليوم العشرين، شهد العالم كيف تُمحى عائلات بأكملها من السجل المدني، أسوة بباقي الأيام التي تفوقت على السجل المدني، وعاشت أحداثا شهدها العالم أيضا: كيف تُمحى أحياء من الجغرافيا والتاريخ معا.

9 -نوفمبر 2023

أعود إلى اليوم الرابع والثلاثين من مسلسل الموت الذي بدأ مع اليوم الأول. هذا اليوم، بشقّيه الدمويين، الليل والنهار؛ يوم إذلال النازحين في الطرقات، وأسئلة بهية حول الصواريخ والانفجارات على مدار اليوم. هل تسقط غزة في هذا اليوم، المخلوق من عجينة الموت؟ وإلا، فلماذا كل هذا الموت في الطرقات وتحت ركام البيوت؟

24- ديسمبر 2023

ضحايا وغاضبون. نعم، غاضبون من كوننا ضحايا دائمين في عرف الغيب. ولتعلموا أنه تخلقت لنا قدرة على جلد ذواتنا بما يليق بضعفها. أن نغضب ونظل نغضب يعني أننا سنحترف الغضب، ونحمل رايته لأجيال. الضحايا يغضبون، وكأن الغضب يعيد تشكيل بنية الضحية، روحيا وماديا، وينفخ فيها أخلاقه الغضبى. نعم، نحن الضحايا الغاضبون من موتهم قربانا لآلهة نجهلها، أو ثمنا نجهل قيمته.

30- ديسمبر 2023

المأساة تتفاقم في رفح، حيث تقترب المدينة من مليوني نسمة، فيما لا تسمح مقوماتها إلا لبضع مئات الآلاف بالعيش الطبيعي فيها. يمتد الشلال البشري في شارع رفح الرئيسي من شرقها إلى غربها، ولا يتجاوز بضعة كيلومترات، ثم يعود في الاتجاه المعاكس. تياران بشريان متعاكسان في الاتجاه، لكنهما متداخلان. الغضب والخوف يطفحان من عيون الناس ومن سحناتهم. والقلق الدائم والثقيل يحدّق في التائهين وهيئاتهم، ويملأ فضاء العابرين حزنا معجونا بزيوت الطعام المحروقة في محركات بعض السيارات القديمة، التي آثرت أن تتحرك في المدينة رغم انقطاع السولار وكل أشكال الوقود. أحيانًا تعلق بعض السيارات وسط الحشود في مركز المدينة، وتهدر محركاتها حارقة زيوت الطعام، لتملأ المكان برائحة خانقة وكريهة.

11- يناير 2024

في اليوم السابع والتسعين من الحرب على غزة، تئن رفح في صمت من هول الكارثة التي تعيشها، وينزف من نفوس الناس ما تبقى من الكرامة الإنسانية، فيلوّث الروح والجروح. مات من مات واستُشهد، ويموت من يموت ويُستشهد. وهذه الكتلة البشرية الهائلة المحشورة في بقعة لا تكفي لربع النازحين إلى هذه المدينة البائسة، تعيش حالة موت مستمر، إلى أن أمسى الموت طاقة تحرّك الناس وتمنحهم القدرة على الحركة والبحث عن سبل النجاة المؤقتة. عصرا، وقفت في منتصف دوّار العودة. أربعة شوارع تصبّ كائناتها البشرية في أتون هذا التقاطع. شعرت أن رؤوسهم تعطلت، ولم تعد تصلح إلا لحماية نفسها؛ رؤوسا لا تفكر إلا في البقاء مرفوعة، طلبا للنصر الذي سيأتي محدّقا في أمعاء الجائعين.

قبل يومين من نهاية 2023

كتبت صارخا: «أوقفوا الحرب، أيها القتلة المتحضرون.» أردت أن أقول كيف أصبحت مفردة الموت ومشتقاتها من مفردات الحياة في يومنا الثقيل، وكيف لم نعد نحتمل قسوة المشهد في العباد وفي البلاد، ومن طنين ألوف الصامتين في مفترقات المدينة المحشورة في الجغرافيا رغما عن اليابسة. لكنّني لم أقل. ومن حرب إلى حرب تُفرض علينا، كنا نحتاج إلى تأهيل الناجين من الحرب السابقة. إلا أن أمد هذه الحرب قد طال، وبعد أيام ستدخل شهرها الرابع، وأخلاق الناس تراجعت، واتسمت ردود أفعالهم بعدم تناسبها مع الأفعال. الغضب المحتقن في النفوس يملأ سماء المدينة. في رفح، غضب على كل شيء، ومن أي شيء. الخوف والجوع باديان. أحيانا أعبّر عن خوفي بغضب.

One thought on “من يوميات الحرب

  1. عندما تكون القسوة لا أفق لها، تكون الكلمات صادقة ويكون المعنى عميقا حدا. لا أحد احد اليوم يعاني مثل الفلسطينيون..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *