بداية عصر لا يفهم فيه الإنسان ما يعرفه؟
بقلم زكية لعروسي, رئيسة التحرير-باريس
في السادس من أكتوبر 2026، لم تطرق OpenAI باب الرياضيات؛ لقد دخلت من النافذة، ووضعت على طاولة العلماء مئات المخطوطات، ثم تركتهم أمام سؤال يشبه مرآة مكسورة: ماذا يبقى من عبقرية الإنسان حين تصبح الآلة قادرة على اقتحام مسائل عجز عنها العقل البشري سنوات طويلة؟ لم يكن العدد وحده هو الصدمة، بل السرعة التي تحولت بها المسائل المستعصية إلى سيل من النتائج المقترحة، في زمن لا يزال فيه الباحث يحتاج إلى عمر كي يفهم أحيانا لماذا أخطأ في سطر واحد. أمام هذا الفيضان، بدا المشهد كأن مكتبة أحرقت كتبها ثم طالبت القراء بالتصفيق للرماد. لكن الإنصاف يقتضي أن نقول إن المخطوطات المنشورة ليست كلها براهين نهائية معتمدة، وإن بعض النتائج لا يزال يحتاج إلى تحقق وفحص مستقل.
فالبرهان الرياضي ليس جملة واثقة ترتدي معطفا من الرموز، ولا إعلانا تجاريا يزعم أن المجهول قد استسلم. إنه بناء منطقي يجب أن يصمد أمام النقد، وأن يستطيع الآخرون إعادة فحصه. وقد تكون الآلة قد فتحت أبوابا جديدة، لكن فتح الباب ليس هو إثبات سلامة البيت. هنا تبدأ المفارقة الجاحظية في زمن الخوارزميات: الإنسان الذي صنع الآلة لكي تختصر عليه الطريق، اكتشف أنها قد تختصر الطريق حتى لا يعود يعرف إلى أين كان ذاهبا. لقد اعتدنا أن نقيس الذكاء بما ينتجه، لا بما يفهمه؛ وأن نقيس العلم بعدد المسائل المحلولة، لا بقدرتنا على تفسير العالم الذي جعلها ممكنة. فإذا أنتجت الآلة مئات النتائج، فمن يملك الوقت لقراءتها؟ وإذا كانت المعرفة تتضاعف أسرع من قدرتنا على استيعابها، ألسنا أمام أمية جديدة، لا تنقصها المعلومات بل تعجز عن امتلاكها؟
المشكلة ليست أن تحل الآلة مسألة استعصت على عالم، بل أن تتحول الرياضيات إلى سباق تسلح بين مختبرات تملك الحوسبة والمال، فيما يتحول الباحث الشاب إلى موظف يراجع نتائج لم يعد يشارك بالضرورة في اختيار أسئلتها. وما يخشاه بعض الرياضيين ليس اختفاء الإنسان من المعادلة، بل اختفاؤه من الحكاية التي أنتجتها. فالرياضيات ليست مقبرة للمسائل تنتظر من يضع على كل قبر علامة صح؛ إنها أيضا تاريخ من الحدس والتردد والخيبة والتعاون، ومن أسئلة لم يكن أحد يعرف، قبل طرحها، أنها تستحق أن تعيش. وفي فرنسا، كما في سائر المؤسسات العلمية، يفرض هذا التحول سؤالا تربويا لا يمكن تأجيله: ماذا يعني أن نعلّم طالبا البرهان إذا كان يستطيع استدعاء آلة تنتجه؟ وكيف نمنح علامة عادلة لتمرين منزلي قد تكون الإجابة عنه من صنع نموذج ذكي، بينما يبقى صاحبه عاجزا عن شرح أول خطوة؟ هل نمنع الأدوات، فنحوّل المدرسة إلى قلعة تحرس الأقلام من الكهرباء، أم نستسلم لها ونكتفي بتصحيح أجوبة لا نعرف من كتبها؟
ربما آن الأوان لإعادة اختراع الامتحان نفسه. ليس بإلغاء المعرفة الأساسية أو الحساب اليدوي، بل بجعل التقييم يكشف مسار التفكير: أن يشرح الطالب لماذا اختار طريقا دون آخر، وأن يدافع عن برهانه شفويا، وأن يكتشف موضع الخلل في حل أنتجته الآلة، وأن يبين ما الذي يتغير إذا تبدلت الفرضيات. يمكن للذكاء الاصطناعي أن يساعد في التعلم، لكن لا يجوز أن يصبح وكيلا عن العقل في اللحظة التي يفترض فيها أن ينمو. فالآلة التي تحل التمرين نيابة عن الطالب قد تمنحه نقطة كاملة، وتترك في ذهنه صفرا لا يظهر في كشف العلامات. أما الجامعات والمدارس العليا، فعليها أن تسأل سؤالا أكثر إزعاجا: هل نكوّن عقولا قادرة على البحث، أم ندرّب مستخدمين بارعين في تشغيل أدوات البحث؟ إن الطالب الذي لا يتعلم احتمال الخطأ لن يصبح باحثا، والباحث الذي لا يحتمل الغموض لن يكتشف شيئا. فالمعرفة لا تنمو بالنجاح وحده؛ تنمو أيضا حين نعرف لماذا فشلنا، وحين نتعلم أن السؤال الجيد قد يكون أثمن من جواب سريع.
ولعل أخطر ما في هذه اللحظة هو الخلط بين الذكاء والقيمة. حين توصف الآلة في الخطاب السياسي بأنها ذكاء خارق، يصبح من السهل أن نتصور أن كل ما تفعله أفضل بالضرورة، وأن كل ما يعجز عنه الإنسان صار بلا قيمة. لكن الإنسان ليس آلة ناقصة تنتظر تحديثا. إنه الكائن الذي يسأل لماذا ينبغي أن نحل هذه المسألة أصلا، ولمن ستفيد النتيجة، وما الثمن الأخلاقي والاجتماعي لطريقة الوصول إليها. قد تنتج الخوارزمية برهانا، لكنها لا تعفينا من مسؤولية اختيار ما يستحق البرهنة. ليس المطلوب أن نحاكم الذكاء الاصطناعي لأنه يتقدم، ولا أن نقدسه لأنه يتقدم بسرعة. المطلوب أن نضع حوله مؤسسات تحقق شفافة، وقواعد واضحة للنسبة والتأليف، وطرقا تتيح للعلماء فحص النتائج، وأن نضمن ألا تتحول وفرة الإنتاج إلى سلطة لا يملك أحد وقتا لمراجعتها. فالعلم الذي لا يستطيع المجتمع العلمي تدقيقه قد يتحول إلى إيمان جديد، وهذه المرة لن يحتاج الكاهن إلى معجزة؛ يكفيه خادم حاسوبي سريع.
ربما لا نشهد نهاية الرياضيات، بل نهاية صورتها القديمة في أذهاننا. وربما لن يكون السؤال في المستقبل: هل تستطيع الآلة أن تفكر؟ بل: هل نستطيع نحن أن نواصل التفكير في عالم تنتج فيه الآلات أجوبة أكثر مما نملك من الوقت لفهمها؟ في هذه المفارقة تكمن الكوميديا السوداء: صنع الإنسان آلة كي لا يبقى وحيدا أمام المجهول، فإذا به يخشى أن يصبح وحيدا أمام المعرفة نفسها. أما الرياضيات، التي نجت من حروب الفلاسفة ومن غرور الملوك ومن أخطاء العلماء، فقد تنجو أيضا من هذا الاختبار. لكن بشرط ألا نخلط بين سرعة الوصول إلى الحقيقة وامتلاكها، وألا نسمح للآلة بأن تحل المسائل كلها، بينما نترك السؤال الأهم بلا جواب: ماذا نريد من العقل، إذا لم يعد مطلوبا منه أن يفكر؟

يمكن الحديث عن الجنازة ربما في مجال الرياضيات التطبيقية، أما الرياضيات الخالصة مبتكرة النظرية الرياضية، فهو من قوة فعالية الذكاء البشري الخلاق.