اليسار الفرنسي في سوق التحالفات

بقلم زكية لعروسي, رئيسة التحرير-باريس

في فرنسا، لا يحتاج اليسار إلى خصوم كي يتعثر؛ يكفي أن يجتمع في غرفة واحدة، ثم يطلب من كل زعيم أن يشرح للآخر معنى الوحدة. عندئذ تخرج من القبعات السياسية أرانب كثيرة، لكن لا يخرج منها أرنب واحد قادر على الفوز بالانتخابات. لكل واحد جمهوريته الصغيرة، وضميره الكبير، وخط أحمر مرسوم بعناية، بحيث لا يستطيع أحد عبوره من دون أن يتهم بالخيانة أو الانتهازية أو سوء فهم التاريخ. في هذا المسرح، عادت سيغولين رويال لتضع شرطها أمام رافاييل غلوكسمان، الطامح إلى تمثيل اليسار في الانتخابات الرئاسية الفرنسية لعام 2027. فقد أعلنت، في مقابلة مع قناة فرانس 24، استعدادها لمساعدته على جمع اليسار، بشرط ألا ينزلق إلى ما وصفته بالتواطؤ أو المساومة مع المعسكر الماكروني. ليست هذه مساندة مجانية، بل شيك سياسي يحمل توقيعا واضحا وشرطا مكتوبا في ظهره: سأساعدك على بناء الجسر، لكن إياك أن تجعله يؤدي إلى الضفة التي أرفضها.

المشهد طريف، لو لم يكن مستقبل السياسة الفرنسية معلقا في خلفيته. فاليسار الذي يتحدث عن العدالة الاجتماعية وإعادة توزيع الثروة يجد نفسه عاجزا أحيانا عن توزيع الأدوار بين قادته. يريد أن يجمع العمال والموظفين والشباب والطبقات الشعبية والمثقفين، لكنه يتعثر عند أول سؤال عن هوية المرشح، وحدود التحالف، والثمن الذي يمكن دفعه للوصول إلى السلطة. إنه يشبه قافلة تريد عبور الصحراء، بينما يتجادل دليلها وحارسها حول لون البوصلة. سيغولين رويال ليست اسما عابرا في هذه الحكاية. إنها صاحبة تجربة رئاسية سابقة، ووجه معروف من وجوه الاشتراكية الفرنسية، وامرأة تعرف أن السياسة لا تقوم على البرامج وحدها، بل على القدرة على تحويل الخلاف إلى قوة انتخابية.

أما غلوكسمان، مؤسس حركة «بليس بوبليك»، فيمثل توجها أوروبيا واجتماعيا ديمقراطيا يسعى إلى بناء بديل يساري قادر على مخاطبة جمهور يتجاوز القواعد الحزبية التقليدية. لكن نقطة الالتقاء بين الشخصيتين لا تلغي السؤال الذي يهدد كل محاولة للوحدة: هل يريد اليسار أن يتفق على مشروع للحكم، أم أن يتفق فقط على الشخص الذي سيجلس على كرسي الحكم؟ إن التحذير من المساومة مع الماكرونيين يفتح بابا ضروريا للنقاش. فالتعاون السياسي ليس خطيئة في ذاته، كما أن رفضه ليس شهادة نقاء أخلاقي. قد تفرض المؤسسات والبرامج والظروف البرلمانية تفاهمات محددة، وقد تتحول هذه التفاهمات إلى تنازلات تمس جوهر المشروع السياسي. الفارق بين الأمرين لا تحدده حرارة الخطاب، بل وضوح الشروط: ما الذي يمكن التفاوض عليه؟ وما الذي لا يجوز التخلي عنه؟ ومن يراقب الوفاء بالالتزامات بعد الانتخابات؟

هنا تكمن المعضلة الفرنسية. فاليسار لا يخشى خسارة الانتخابات فقط؛ إنه يخشى أيضا أن يفوز ثم يكتشف أنه وصل إلى السلطة بعد أن ترك برنامجه في غرفة الانتظار. وفي المقابل، قد يصبح التشدد في رفض أي تفاهم سجنا مريحا، يسمح للأحزاب بالاحتفاظ بصفائها الأيديولوجي بينما يواصل خصومها إدارة الدولة. ثمة نقاء سياسي يشبه نقاء الثلج: جميل من بعيد، لكنه لا يطعم أحدا ولا يبني مستشفى. والسخرية السوداء أن كل طرف يطالب الآخرين بالوحدة، لكنه يريدها غالبا تحت شروطه، وباللغة التي يتحدث بها، وحول البرنامج الذي كتبه، وبقيادة الشخص الذي يفضله. فإذا نجح الاتفاق، نسب كل طرف الفضل إلى حكمته؛ وإذا فشل، اكتشف الجميع أن الآخرين لم يكونوا مستعدين بما يكفي للتضحية.

وهكذا تتحول الوحدة إلى كلمة مطاطية، يمدها السياسيون في المؤتمرات حتى تبدو قادرة على احتواء الجميع، ثم تنكمش عند أول خلاف حول الضرائب أو أوروبا أو السياسة الخارجية أو العلاقة بإرث إيمانويل ماكرون. لكن الناخب لا يعيش داخل هذه المناورات وحدها. إنه يريد أن يعرف ما الذي سيتغير في حياته: هل ستتحسن قدرته الشرائية؟ هل ستصبح الخدمات العامة أكثر كفاءة؟ هل ستجد الفئات الهشة حماية حقيقية؟ وهل يملك المرشح خطة قابلة للتنفيذ، أم أنه يملك فقط قائمة بالأشخاص الذين يرفض العمل معهم؟ فالديمقراطية ليست مسابقة في اكتشاف الخائن الأكثر خفاء، بل منافسة بين مشاريع تستطيع إقناع المجتمع بأنها جديرة بالثقة.

ولا ينبغي أن تتحول رويال أو غلوكسمان إلى بطلي حكاية أخلاقية مبسطة، أحدهما يحرس النقاء والآخر يختبر حدود التسوية. السياسة أعقد من ذلك، وكلا الموقفين يحتاج إلى امتحان الوقائع. فرفض التحالف مع الماكرونيين قد يكون دفاعا عن استقلال اليسار، وقد يصبح عزلة انتخابية؛ والانفتاح على تفاهمات معهم قد يكون براغماتية مسؤولة، وقد يتحول إلى ذوبان تدريجي في مشروع يناقض الوعود الانتخابية. الحكم لا يكون على النيات المعلنة، بل على مضمون الاتفاق، وشفافيته، والنتائج التي يحققها. إن السؤال الحقيقي الذي ينبغي أن يواجه اليسار الفرنسي ليس ما إذا كانت سيغولين رويال ستساعد رافاييل غلوكسمان، بل ما إذا كان قادرا على بناء تحالف لا يقوم على الخوف من الهزيمة وحده. فالخوف يجمع الناس مؤقتا، لكنه لا يصنع بالضرورة حكومة متماسكة. وما يحتاج إليه اليسار هو عقد سياسي واضح، يحدد الأولويات الاجتماعية والاقتصادية والمؤسسية، ويشرح للناخبين كيف يمكن تحويلها إلى سياسات، وما التنازلات المقبولة لتحقيقها، وما الخطوط التي لا يجوز تجاوزها.

في النهاية، قد تكون رويال قد وضعت شرطا سياسيا مشروعا، وقد يكون غلوكسمان أمام اختبار حقيقي لقدراته على الجمع بين الاستقلال والواقعية. لكن فرنسا لا تحتاج إلى مزيد من الحراس الذين يراقبون أبواب التحالفات بقدر ما تحتاج إلى سياسيين يعرفون ماذا سيفعلون بعد فتحها. فالانتخابات ليست حفلة لتوزيع شهادات الطهارة، والإليزيه ليس مغسلة لغسل التنازلات. ومن يريد أن يجمع اليسار عليه أن يجيب عن سؤال أشد قسوة من كل الخطوط الحمراء: إذا وصلتم إلى السلطة، فهل ستغيرون حياة الفرنسيين، أم ستكتفون بإثبات أنكم كنتم على حق حين اختلفتم؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *