من ممرات الكوكايين إلى خرائط الإرهاب: الجغرافيا التي تعيد تشكيل أمن الساحل
بقلم د. عبد الرحمن مكاوي-باريس
لم تعد الصحراء الكبرى مجرد فراغ جغرافي يفصل شمال إفريقيا عن غربها، ولا مجرد مجال نزاع سياسي بين دول وجماعات مسلحة. لقد تحولت، خلال السنوات الأخيرة، إلى مسرح مركب تتقاطع فيه ثلاثة اقتصادات متوازية: اقتصاد الحرب، واقتصاد التهريب، واقتصاد الإرهاب. وهنا تكمن المفارقة الكبرى: كلما حاولت الدول إغلاق طريق، فتحت الجغرافيا طريقاً آخر؛ وكلما تشددت المراقبة على الحدود الرسمية، انتقلت الشبكات الإجرامية إلى الحدود غير الرسمية؛ وكلما ضعفت الدولة في منطقة، ظهرت جماعة مسلحة أو شبكة تهريب لتملأ الفراغ. لهذا فإن فهم الأمن في الصحراء والساحل لا يمكن أن يبدأ من سؤال: من يسيطر على هذه الحدود؟ بل من سؤال أكثر خطورة: من يملك القدرة على تحويل الحدود إلى مورد اقتصادي؟ إنها النقطة التي يلتقي عندها الإرهاب والجريمة المنظمة والسلاح والمخدرات.
أولا: الصحراء لم تعد هامشا… بل عقدة جيوسياسية
تمتد الصحراء من الأطلسي إلى العمق الليبي، ومن المجال المغاربي إلى قلب الساحل. وهذه المساحة الهائلة تمنح شبكات التهريب ميزة لا تستطيع الأجهزة الأمنية القضاء عليها بالوسائل التقليدية وحدها. فالممر الصحراوي ليس طريقا واحدا مرسوما على الخريطة، وإنما شبكة من المسالك المتغيرة تتبدل بحسب الرقابة، والطقس، والاشتباكات، والولاءات المحلية، وأسعار السلع المحظورة، وقدرة الجماعات المسلحة على توفير الحماية. وهنا يصبح المهرب أكثر من ناقل للبضاعة؛ يصبح جزءا من منظومة أمنية واقتصادية غير رسمية. وفي بعض مناطق الساحل، لا تعبر القافلة إلا بعد دفع مقابل للحماية، أو المرور عبر مجال تسيطر عليه جماعة مسلحة، أو الاستفادة من علاقات محلية تسمح لها بالحركة. ولذلك فإن تجارة المخدرات لا تعني فقط تهريب مادة ممنوعة؛ إنها في بعض الحالات آلية لتمويل النفوذ المسلح وشراء الولاءات وتوسيع شبكات الفساد.
ثانيا: ثلاثة اتجاهات كبرى للاقتصاد الإجرامي
المعطيات التي تتداولها المؤسسات الدولية ومراكز الأبحاث المتخصصة تشير إلى أن غرب إفريقيا والساحل أصبحا جزءا من شبكة دولية لنقل الكوكايين والحشيش والسلع غير المشروعة باتجاه الأسواق الأوروبية. ويمكن قراءة الخريطة في ثلاثة اتجاهات استراتيجية كبرى، مع ضرورة التعامل مع تفاصيل كل مسار وأرقام الضبط باعتبارها تحتاج إلى إحالة مباشرة إلى مصادرها الأصلية وتحديثها دوريا.
1. المحور الأطلسي الغربي
ينطلق هذا المحور من المجال الأطلسي لغرب إفريقيا، ويمر عبر دول ومناطق ساحلية وجزرية، قبل أن يتجه شمالا نحو موريتانيا والصحراء الغربية، ثم إلى الموانئ والأسواق الأوروبية. وتكتسب هذه المنطقة أهميتها من طبيعتها البحرية والجغرافية المعقدة، ومن كثرة الموانئ الصغيرة والجزر والمسالك الساحلية، فضلاً عن تفاوت قدرات الدول على مراقبة المجال البحري. وتبرز هنا منطقة غينيا بيساو والأرخبيل البيجاغوسي باعتبارها إحدى النقاط التي كثيرا ما ترد في الدراسات المتعلقة بشبكات الكوكايين العابرة للأطلسي. أما الوجهة النهائية، فيمكن أن تكون أوروبا، سواء عبر شبه الجزيرة الإيبيرية أو عبر شبكات نقل متعددة المراحل. والأهم من كمية المخدرات المضبوطة في كل عملية هو ما تكشفه هذه العمليات عن حجم السوق التي تستطيع الشبكات الإجرامية المخاطرة من أجلها. فإذا كانت الشحنة التي تضبطها السلطات تمثل جزءا صغيرا من إجمالي التدفقات، فإن السؤال الحقيقي لا يتعلق بما تم ضبطه، بل بما استطاع العبور. وهنا يتحول ضبط شحنة ضخمة إلى مؤشر أمني مزدوج: نجاح أمني من جهة، ودليل على اتساع السوق غير المشروعة من جهة أخرى.
2. المحور الساحلي–الصحراوي
أما الاتجاه الثاني فيربط المجال الأطلسي والساحلي بالممرات الداخلية التي تتقاطع مع مالي والجزائر وليبيا. وهذا المسار أكثر تعقيداً من الناحية الأمنية، لأنه يدخل إلى فضاء تتجاور فيه الحدود الدولية مع مناطق ضعيفة السيطرة الحكومية، ومناطق تنشط فيها الجماعات المسلحة، وممرات صحراوية يصعب مراقبتها بصورة مستمرة. من غرب إفريقيا يمكن أن تتحرك شبكات التهريب باتجاه الشمال والشرق، مستفيدة من الممرات العابرة للصحراء. وهنا يظهر دور شمال مالي، ومناطق غاو وتمبكتو، ثم المجال الممتد باتجاه الجزائر وليبيا في الأدبيات الأمنية المتعلقة بالجريمة العابرة للحدود. لكن من الخطأ النظر إلى هذه الخريطة باعتبارها طريقا ثابتا. فالطرق تتغير. الجماعات تتغير. الأسعار تتغير. والقوة العسكرية التي تغلق ممرا اليوم قد تدفع الشبكات إلى فتح ممر آخر غدا. ولهذا فإن الجريمة المنظمة لا تُهزم بمجرد إغلاق طريق واحد؛ إنها تُهزم عندما يصبح نظام الحركة كله أكثر كلفة وخطورة وأقل ربحية بالنسبة للشبكات الإجرامية.
ثالثا: الجيش الوطني الشعبي… من حراسة الحدود إلى مواجهة اقتصاد الحدود
في هذا السياق، يصبح موقع الجيش الوطني الشعبي الجزائري بالغ الحساسية. فالجزائر توجد في قلب منطقة جغرافية تتقاطع فيها الحدود الجنوبية مع أزمات مالي وليبيا والنيجر، وفي الوقت نفسه تمتلك حدوداً واسعة يصعب تأمينها بالوسائل التقليدية وحدها. وهنا لا يتعلق الأمر فقط بمنع تسلل الإرهابيين أو المهربين. المسألة أصبحت مرتبطة بمنع نشوء اقتصاد حدودي مسلح يستطيع أن يتحول إلى قوة سياسية مستقلة. فالخطر الأكبر ليس في المهرب الصغير الذي يعبر الصحراء، وإنما في الشبكة التي تمتلك المال والسلاح والمعلومات والحماية والقدرة على شراء الولاءات. ومن هذه الزاوية، يمكن فهم التشدد العسكري في مراقبة الحدود الجزائرية باعتباره جزءا من معركة أوسع ضد اقتصاد الظل العابر للحدود. لكن القوة العسكرية وحدها لا تكفي. فالجيش يستطيع أن يمنع التسلل، وأن يراقب الحدود، وأن يطارد الجماعات المسلحة، لكنه لا يستطيع وحده القضاء على الطلب الأوروبي على المخدرات، ولا على الفساد الإداري، ولا على شبكات غسل الأموال، ولا على اقتصاديات التهريب في دول المصدر والعبور.وهنا تبدأ الحاجة إلى المقاربة الإقليمية.
رابعا: جماعة نصرة الإسلام والمسلمين… عندما يصبح الإرهاب اقتصادا
إن صعود جماعة نصرة الإسلام والمسلمين (JNIM) والجماعات الجهادية المرتبطة بها يفرض قراءة مختلفة للمشهد. فالجماعة لا تتحرك في فراغ اقتصادي. الجماعات المسلحة تحتاج إلى المال، والمال يحتاج إلى مصادر تمويل، ومصادر التمويل قد تأتي من الابتزاز، والضرائب غير الرسمية، والخطف، والتهريب، والاقتصادات المحلية غير المشروعة، بحسب المنطقة والظرف. وهنا يظهر أخطر تداخل بين الإرهاب والجريمة المنظمة: الإرهابي لا يحتاج دائما إلى إدارة تجارة المخدرات بنفسه؛ يكفي أن يسيطر على المجال الذي تمر عبره التجارة، أو أن يفرض عليها رسوماً أو حماية أو إتاوات. وهذه نقطة جوهرية في فهم الساحل. فالاقتصاد الإجرامي قد يمول الإرهاب بصورة مباشرة أو غير مباشرة، وقد يوفر للجماعات المسلحة القدرة على الاستمرار حتى عندما تتراجع قدرتها على الحصول على تمويل خارجي. وبالتالي فإن مكافحة الإرهاب من دون تفكيك مصادر التمويل تشبه محاولة تجفيف نهر مع ترك منبعه مفتوحا.
خامسا: البوليساريو… بين النزاع السياسي والاتهامات الأمنية
أما الحديث عن جبهة البوليساريو فيتطلب قدرا أكبر من الدقة، لأن الخلط بين النزاع السياسي حول الصحراء الغربية وبين الجريمة المنظمة يمكن أن يقود إلى استنتاجات سياسية لا تسندها الأدلة. ينبغي التمييز بين ثلاثة مستويات:
– الجبهة كفاعل سياسي وعسكري في نزاع الصحراء الغربية.
– الأفراد أو الشبكات التي قد تنخرط في أنشطة إجرامية.
– الادعاءات التي تربط التنظيم بصورة مؤسسية مباشرة بشبكات المخدرات أو الإرهاب.
وهذه المستويات ليست شيئا واحدا. فوجود أفراد أو شبكات في بيئة جغرافية تعبرها تجارة غير مشروعة لا يثبت تلقائيا تورط التنظيم السياسي أو العسكري بأكمله. لكن في الوقت نفسه، فإن تجاهل البيئة الأمنية المحيطة بمخيمات تندوف، والحدود الجزائرية-الموريتانية، والمجال الصحراوي الواسع، سيكون تبسيطا خطيرا للمشكلة. المطلوب هنا ليس خطاباً اتهامياً، وإنما تحقيق استخباراتي قابل للتحقق: من يتحرك؟ من يمول؟ من يحمي؟ أين توجد الأدلة القضائية؟ وما طبيعة العلاقة بين الشبكات الإجرامية والفاعلين المسلحين؟ هذه الأسئلة وحدها قادرة على التمييز بين الحقيقة والدعاية.
سادسا: المخدرات لا تعبر الصحراء وحدها… المال يعبر أيضا
أخطر خطأ في تحليل اقتصاد المخدرات هو التركيز على الشحنة وإهمال المال. فالكوكايين لا يمثل فقط مادة تُنقل من مكان إلى آخر. إنه رأس مال إجرامي متحرك. الأموال الناتجة عن التجارة غير المشروعة يمكن أن تدخل في شراء السيارات والأسلحة والعقارات والشركات، أو تُغسل عبر أنشطة اقتصادية تبدو مشروعة. ولهذا فإن مواجهة المخدرات تبدأ من الميناء وتنتهي في البنك. ومن الحدود وتنتهي في منظومة غسل الأموال. ومن الصحراء وتنتهي في المدن الأوروبية.وهنا تصبح أوروبا جزءاً من المعادلة، لا مجرد سوق نهائية. فالطلب الأوروبي المرتفع على المخدرات يولد أرباحا ضخمة في إفريقيا، والأرباح تمول شبكات النقل والحماية والفساد، وهذه الشبكات تخلق بدورها قدرة أكبر على الحركة والتسلح. إنها دائرة اقتصادية مغلقة: طلب أوروبي → أرباح إجرامية → شبكات تهريب → شراء حماية وسلاح → نفوذ محلي → قدرة أكبر على التهريب → مزيد من الأرباح.
سابعا: من يسيطر على الممر يسيطر على السياسة
هنا نصل إلى جوهر المسألة. في الصحراء والساحل، لا تنحصر القوة في امتلاك الدولة للحدود القانونية. القوة الحقيقية تكمن في القدرة على التحكم في حركة الأشخاص والبضائع والأموال والمعلومات. ولهذا فإن الجماعات المسلحة، والمهربين، وبعض الفاعلين المحليين، والدول نفسها، تتنافس على الشيء ذاته: الممر. الممر ليس طريقا فحسب. الممر هو سلطة. ومن يملك الممر يستطيع أن يفرض الرسوم، ويمنح الحماية، ويمنع المنافسين، ويجمع المعلومات، ويخلق اقتصادا موازيا. وهنا تتضح العلاقة بين الإرهاب والجريمة المنظمة. فالإرهاب يحتاج إلى المجال. والجريمة تحتاج إلى المجال. والتهريب يحتاج إلى المجال. والدولة تحاول استعادة المجال. إنها في النهاية معركة على السيادة الجغرافية والاقتصادية في آن واحد.
ثامنا: الأسطورة الكبرى: أن الصحراء هي المشكلة
الحقيقة أن الصحراء ليست المشكلة. المشكلة هي الفراغ الأمني والاقتصادي والسياسي الذي يمكن أن يتحول إلى سوق. الصحراء نفسها كانت دائما مجالا للحركة والتجارة والقوافل. التحول الخطير حدث عندما دخلت إليها اقتصاديات عالمية شديدة الربحية: الكوكايين، السلاح، البشر، الذهب، الوقود، والسلع المهربة. عندها لم تعد القافلة تبحث عن الماء فقط. أصبحت تبحث عن الحماية والمعلومة والسوق. وهكذا تحول المهرب من مجرد ناقل إلى فاعل اقتصادي، وتحول المسلح من مقاتل إلى حارس طريق، وتحولت بعض المناطق الحدودية إلى نقاط عبور استراتيجية.
الخلاصة: المعركة المقبلة ليست معركة حدود… بل معركة منظومات
من الخطأ اختزال أمن الصحراء في مواجهة جماعة إرهابية أو اعتراض شحنة مخدرات. المشهد أكبر. هناك شبكات مالية. هناك طرق بحرية. هناك موانئ. هناك حدود صحراوية. هناك جماعات مسلحة. هناك أسواق أوروبية. وهناك دول تحاول منع تحول حدودها إلى ممرات للجريمة العابرة للقارات. ولهذا فإن أي استراتيجية ناجحة يجب أن تتحرك في أربعة اتجاهات متزامنة:
أولا: مراقبة الحدود والمجالات البحرية والجوية بالاعتماد على الاستخبارات والتكنولوجيا، لا على الانتشار العسكري وحده.
ثانيا: تفكيك الشبكات المالية التي تغذي تجارة المخدرات والجريمة المنظمة، وملاحقة غسل الأموال.
ثالثا: معالجة مصادر تمويل الجماعات المسلحة، وعدم الاكتفاء بملاحقة عناصرها ميدانيا.
رابعا: بناء تعاون أمني حقيقي بين دول المغرب والساحل وغرب إفريقيا وأوروبا، لأن الشبكة الإجرامية عابرة للحدود، وبالتالي فإن الدولة المنفردة لا تستطيع هزيمتها منفردة. وفي نهاية المطاف، فإن السؤال الحاسم ليس: أين تمر المخدرات؟ السؤال الأخطر هو: من يملك القدرة على جعلها تمر؟ ومن يدفع؟ ومن يحمي؟ ومن يغسل الأموال؟ ومن يشتري السلاح؟ ومن يستفيد سياسيا من استمرار الفوضى؟ عندما نجيب عن هذه الأسئلة، تتحول خريطة الصحراء من مجرد خطوط على الورق إلى خريطة حقيقية للقوة والثروة والإرهاب والجريمة. وهنا تحديدا تكمن المعركة القادمة في الساحل والصحراء: ليست معركة بين جيش ومهرب فحسب، ولا بين دولة وجماعة مسلحة، وإنما معركة بين الدولة ومنظومة كاملة تستطيع تحويل الفوضى إلى اقتصاد، والاقتصاد إلى نفوذ، والنفوذ إلى قوة سياسية. إن الصحراء لا تهدد الدول لأنها واسعة. إنها تهددها عندما تصبح المسافة بين الجريمة والسلطة أقصر من المسافة بين الحدود والعاصمة.
